عندما تصبح الحرب أسرع من الجمهورية

أمريكا، الحرب على إيران، وأزمة السلطة الدستورية في عصر الذكاء الاصطناعي.

بقلم: طلال الخليفة

باحث في شبكات حلول التنمية المستدامة

سبتمبر 2026

تحليل مستقل في الاستراتيجية، السلطة، التكنولوجيا والنظام الدولي.
An independent analysis of strategy, power, technology, and the international order

    

هذا المقال لا يناقش حربًا بعينها بقدر ما يناقش تحولًا أعمق في طبيعة الدولة الحديثة: ماذا يحدث عندما تصب قدرة السلطة التنفيذية على استخدام القوة أسرع من قدرة المؤسسات الديمقراطية على مناقشتها وتقييدها ومحاسبتها؟

من ماديسون وهاملتون إلى أيزنهاور وكينيدي، ومن سلطة الكونغرس في إعلان الحرب وتمويلها إلى صعود الذكاء الاصطناعي والشركات التقنية داخل منظومات الأمن القومي، تتتبع هذه الدراسة الفجوة المتزايدة بين سرعة القوة وسرعة الشرعية.

وتطرح سؤالًا مركزيًا:

هل لا تزال الجمهورية قادرة على التحكم في أدوات القوة التي بنتها، أم أن التكنولوجيا والحرب الدائمة والاقتصاد الأمني بدأت تجعل القرار أسرع من المؤسسات التي وُجدت لمراجعته؟

لا يقدم المقال حكمًا على قوة الولايات المتحدة العسكرية بقدر ما يبحث في مسألة أكثر جوهرية: قدرة الدولة العظمى على ضبط نفسها، وتصحيح قراراتها، وتحديد حدود الحرب قبل أن تتحول القدرة على الفعل إلى بديل عن الاستراتيجية.

من الخوف من الملك إلى فجوة الزمن الدستوري

حين اجتمع واضعو الدستور الأمريكي في فيلادلفيا في أواخر القرن الثامن عشر، لم يكن السؤال الذي يشغلهم كيف يصنعون دولة قوية فقط، بل كيف يمنعون القوة الجديدة التي يبنونها من أن تتحول إلى نسخة جمهورية من النظام الملكي الذي تمردوا عليه. كانت تجربتهم السياسية قد تشكلت تحت ظل تاريخ أوروبي طويل ارتبطت فيه الحرب بشخص الحاكم، وكانت القدرة على إرسال الجيوش إلى الخارج من أكثر الامتيازات وضوحًا للملكية. ولذلك لم يكن الخلاف حول الحرب عندهم مسألة إدارية تتعلق بتوزيع الاختصاصات، وإنما كان سؤالًا يتصل بطبيعة الجمهورية ذاتها: من يملك الحق في أن يحمّل المجتمع كلفة الموت والضرائب والديون باسم الدولة؟

من هنا نفهم لماذا لم يضع الدستور الأمريكي ما نسميه اليوم “سلطة الحرب” في يد واحدة. الرئيس أصبح القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكن الدستور منح الكونغرس سلطة إعلان الحرب، وإنشاء الجيوش وتمويلها، وتنظيم القوات، وغير ذلك من صلاحيات الحرب. وحتى اليوم، توضح الشروح الدستورية الرسمية للكونغرس أن سلطات الحرب الأمريكية موزعة بين السلطتين، وأن العلاقة الدقيقة بين حق الكونغرس في إعلان الحرب وسلطات الرئيس التنفيذية ظلت من أكثر قضايا الدستور الأمريكي إثارة للخلاف. 

هذا التوزيع لم يكن علامة على أن المؤسسين لم يعرفوا كيف يصممون جهازًا فعالًا. العكس أقرب إلى الحقيقة، كانوا يعرفون أن الكفاءة القصوى في اتخاذ قرار الحرب قد تكون بحد ذاتها خطرًا سياسيًا.

الدولة التي يستطيع رجل واحد أن يحرك قوتها العسكرية كلها بسرعة شديدة دولة أكثر كفاءة من الناحية التنفيذية لكنها ليست بالضرورة أكثر حكمة. لذلك كان البطء المقصود جزءًا من الهندسة الجمهورية. أن يضطر الحاكم إلى إقناع مجلسين تشريعيين، وتأمين المال، وتبرير الهدف، ومواجهة اعتراضات ممثلين عن مناطق ومصالح مختلفة، لم يكن عيبًا في النظام؛ كان أحد حواجزه ضد التهور.

وهنا نجد فكرة تستحق أن نستعيدها اليوم، بعد قرنين ونصف القرن: بعض المؤسسات صُممت لكي تكون بطيئة لأن بعض القرارات أخطر من أن تُتخذ بسرعة.

هذه الفكرة تبدو بديهية حتى ننظر إلى شكل الحرب في القرن الحادي والعشرين.

ماديسون وهاملتون كانا يتجادلان حول السلطة في عالم تتحرك فيه الجيوش بسرعة الخيول والسفن الشراعية، وتحتاج الحرب فيه إلى التعبئة والتموين وجمع الضرائب وبناء الأساطيل ونقل الرجال عبر مسافات طويلة. الزمن المادي للحرب كان يفرض احتكاكًا طبيعيًا بين القرار والتنفيذ. حتى الحاكم الذي أراد الحرب كان يحتاج إلى منظومة تستطيع تحويل إرادته إلى قوة مادية.

أما الدولة الحديثة فقد نجحت، خلال قرنين، في إزالة جزء كبير من هذا الاحتكاك.

الرئيس الأمريكي اليوم لا يحتاج إلى انتظار جيش يعبر المحيط حتى تبدأ أزمة عسكرية. الصواريخ بعيدة المدى، القاذفات الاستراتيجية، حاملات الطائرات، القوات المنتشرة مسبقًا، الطائرات المسيّرة، الأقمار الصناعية، العمليات السيبرانية، وشبكات القيادة العالمية جعلت المسافة الزمنية بين المعلومة والقرار والتنفيذ أقصر بكثير مما عرفه واضعو الدستور. وهنا تظهر مشكلة لم تكن موجودة بالصورة نفسها عام 1787.

يمكن أن نسميها: فجوة الزمن الدستوري — Constitutional Time Gap، والمقصود بها الفارق المتزايد بين السرعة التي تستطيع بها السلطة التنفيذية استخدام القوة والسرعة التي تستطيع بها المؤسسات الديمقراطية مناقشة ذلك الاستخدام، تقييمه، تقييده أو إيقافه.

الكونغرس لا يزال يحتاج إلى أن يجتمع، واللجان تحتاج إلى معلومات، والمعلومات السرية تحتاج إلى جلسات إحاطة، ومشاريع القوانين تحتاج إلى صياغة، ومجلس النواب ومجلس الشيوخ يحتاجان إلى التصويت، وقد يحتاج الرئيس إلى التوقيع، أو يحتاج الكونغرس إلى تجاوز الفيتو. في المقابل، غرفة العمليات لا تعمل بهذا الإيقاع.

وهكذا تنشأ مفارقة دستورية حديثة:

المؤسسة المصممة لتقرر ما إذا كانت الدولة يجب أن تدخل الحرب تعمل بالزمن السياسي، في حين تعمل المؤسسة القادرة على خوض الحرب بالزمن العملياتي.

والفارق بين الزمنين ليس تقنيًا فقط. إنه فارق في القوة، من يسبق بالفعل يضع الآخرين أمام واقع جديد، بعد الضربة الأولى تتغير المناقشة السياسية من سؤال:

هل يجب أن نبدأ؟

إلى سؤال مختلف: كيف نحمي قواتنا بعد أن بدأنا؟

وبعد سقوط أول قتيل أمريكي يصبح السؤال: هل نتراجع الآن ونبدو ضعفاء؟

وبعد أن يرد الخصم يصبح النقاش: كيف نرد على الرد؟

وهكذا يمكن أن تنتقل الدولة تدريجيًا من قرار محدود إلى حرب أوسع من دون لحظة واحدة يستطيع فيها المراقب أن يشير إلى نقطة واضحة ويقول: هنا قررت الأمة الحرب.

وهذه ليست نظرية مجردة من التاريخ الأمريكي.

الحرب الكورية كانت نقطة مبكرة في تطور هذا النزاع، ثم أصبحت حرب فيتنام رمزًا للاتساع الكبير في قدرة السلطة التنفيذية على إدارة حرب طويلة من دون إعلان حرب رسمي بالمعنى الدستوري التقليدي. وبعد فيتنام، حاول الكونغرس استعادة جزء من سلطته عبر قرار صلاحيات الحرب لعام 1973، وأقره فوق فيتو الرئيس ريتشارد نيكسون. كان المقصود منه إعادة “الحكم المشترك” بين الكونغرس والرئيس بشأن إدخال القوات الأمريكية في أعمال قتالية، ووضع متطلبات للإبلاغ وحدود زمنية لاستمرار العمليات من دون تفويض تشريعي. 

لكن التاريخ الذي تلا ذلك كشف مفارقة أخرى.

القانون الذي وُضع لتقييد الرئيس لم يحسم الخلاف على سلطة الحرب. حتى التفسير الدستوري الرسمي للكونغرس يعترف بأن السلطتين التشريعية والتنفيذية ما زالتا تختلفان في فهم مدى سلطة الرئيس على بدء العمل العسكري من دون موافقة الكونغرس، ومنذ الحرب العالمية الثانية، لم تستخدم الولايات المتحدة إعلان الحرب الرسمي التقليدي، بينما أصبحت تفويضات استخدام القوة العسكرية، AUMFs، الوسيلة الأبرز التي يعتمد عليها الكونغرس لإجازة عمليات عسكرية. 

وهذا التحول يستحق التوقف عنده، لأن الإعلان التقليدي للحرب يفترض عدوًا، وحربًا، وبداية سياسية واضحة نسبيًا. أما تفويض استخدام القوة فيستطيع أن يكون أوسع أو أكثر مرونة، ويمنح السلطة التنفيذية مجالًا أكبر في تحديد متى وأين وكيف تستخدم القوة داخل الشروط التي وضعها المشرع.

بمعنى آخر، لم تختفِ رقابة الكونغرس، لكن طبيعة العلاقة بين التفويض والتنفيذ تغيرت مع تغير طبيعة الحرب نفسها.

وهنا تبدأ المشكلة الحديثة الحقيقية، فالدساتير عادة تتغير ببطء شديد، أما أدوات القوة فتتغير بسرعة هائلة، وهذه الفجوة ليست خاصة بالولايات المتحدة. كل دولة حديثة تواجه بصورة ما مشكلة أن المؤسسات القانونية والاجتماعية تتحرك أبطأ من التكنولوجيا التي يفترض أن تحكمها. لكن المسألة أكثر خطورة في دولة تمتلك قدرة عسكرية عالمية لأن الفارق بين الزمنين لا ينتج أزمة داخلية فقط؛ يستطيع أن ينتج حربًا خارجية. وهنا يجب التمييز بين شيئين كثيرًا ما يختلطان: قوة الرئيس القانونية وقوة الرئيس الفعلية.

قد تكون هناك قيود دستورية على الرئيس، لكن امتلاكه أجهزة الاستخبارات، وسلسلة القيادة العسكرية، وسرية المعلومات، والقدرة على الاستجابة للأزمة فور وقوعها، يمنحه ما يمكن تسميته أفضلية المبادرة التنفيذية.

الرئيس يرى الأزمة أولًا، ويتلقى الخيارات أولًا، ويأمر بالحركة أولًا، ثم يصل الكونغرس لاحقًا إلى النقاش، وهذا الفارق الزمني البسيط قد يصبح فارقًا سياسيًا هائلًا، لأن القرار الذي كان يحتاج إلى موافقة مسبقة يتحول بعد التنفيذ إلى واقع يحتاج إلى إلغاء.

وهناك فرق كبير بين إيقاف قرار قبل حدوثه وبين عكس قرار بعد أن بدأ في إنتاج الدم والالتزامات والانتقام والمصداقية والجنود المنتشرين، وهذا يفسر شيئًا من التوسع التاريخي للسلطة التنفيذية في مسائل الأمن القومي، من دون الحاجة إلى افتراض مؤامرة أو رئيس بعينه يريد إلغاء الدستور. أحيانًا تتوسع السلطة بسبب بنية الأزمة نفسها: المؤسسة الأسرع تكتسب نفوذًا في عالم تصبح فيه السرعة قيمة استراتيجية، ولكن هنا يبدأ الخطر، فإذا كانت السرعة مفيدة عسكريًا، هل هي مفيدة سياسيًا دائمًا؟

الأمر ليس بهذه البساطة، قد تحتاج الدولة إلى اعتراض صاروخ خلال ثوانٍ، لا تستطيع أن تدعو مجلس الشيوخ للتصويت، وقد تحتاج إلى إنقاذ رهائن أو صد هجوم مفاجئ، وهذه حالات يكون فيها مركز القرار وسرعته ضرورة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل المنظومة نفسها من الدفاع الفوري إلى اختيار الحرب السياسية، وهنا لا يعود السؤال: هل نستطيع أن نرد بسرعة؟ بل: من قرر أن هذه الأزمة تستحق أصلًا أن تتحول إلى حرب؟ وما الهدف السياسي منها؟ وما حدودها؟ وما نقطة الخروج؟ ومن يستطيع القول إن العملية حققت ما يكفي ويجب أن تتوقف؟

هذه الأسئلة أبطأ بطبيعتها من عمل الصاروخ، لكنها أيضًا أكثر أهمية منه، لأن الجيش يستطيع أن يخبر الرئيس كيف يدمر هدفًا، والاستخبارات تستطيع أن تخبره أين يوجد الهدف، والخوارزمية قد تساعده في تحديد احتمال وجود الهدف. لكن أياً من هذه الأدوات لا يستطيع أن يجيب عن السؤال الأكثر أهمية:

هل تدمير ذلك الهدف يجعل الدولة أقرب إلى الغاية السياسية التي من أجلها استخدمت القوة؟

هنا تفترق القدرة عن الاستراتيجية، وهنا أيضًا يبدأ دور السياسة، ولذلك فإن إحدى مشكلات عصرنا ليست أن الجيوش أصبحت أقل قدرة على التنفيذ؛ بل أنها أصبحت شديدة القدرة على التنفيذ بينما بقي السؤال السياسي القديم كما هو: ما الذي نريد تحقيقه؟ بل يمكن القول إن زيادة القدرة العسكرية تجعل هذا السؤال أكثر ضرورة، لا أقل.

الدولة الضعيفة مقيدة بما لا تستطيع فعله، أما الدولة العظمى فتواجه خطرًا مختلفًا: أنها تستطيع فعل أشياء كثيرة، ومن ثم يصبح أصعب أسئلتها ليس كيف؟ وإنما لماذا؟ وهنا يمكن إعادة قراءة التحذير القديم من السلطة التنفيذية بطريقة جديدة. لم يكن الخوف الجمهوري الحقيقي من وجود قائد قوي فحسب، وإنما من أن تصبح إمكانية الفعل نفسها مبررًا للفعل.

وهذا هو الفارق بين القدرة والحكمة، وبهذا نصل إلى القرن الحادي والعشرين وإلى تحول أشد تعقيدًا من الصواريخ والطائرات المسيّرة: دخول الخوارزمية إلى المسافة الواقعة بين المعلومة والقرار. إذا كان القرن العشرون قد وسّع القوة التنفيذية بسبب السرعة العسكرية والسرية الاستخبارية، فإن القرن الحادي والعشرين يضيف عنصرًا جديدًا: تسريع الإدراك نفسه. الآن لا تتنافس المؤسسات فقط على من يستطيع أن يتحرك أولًا، بل على من يستطيع أن يفهم الواقع أولًا.

وهنا، للمرة الأولى، تبدأ الدولة بالتنازل عن أجزاء من عملية رؤية الحرب نفسها إلى منظومات حسابية وشركات تقنية ونماذج تحليل لا تعمل وفق الزمن السياسي ولا حتى وفق الإدراك البشري التقليدي.

ومن هنا يبدأ السؤال الأصعب للمقال كله: ماذا يحدث للجمهورية عندما لا تصبح الحرب أسرع من البرلمان فقط، بل عندما تصبح عملية إنتاج المعرفة التي تقود إلى الحرب أسرع من قدرة الإنسان نفسه على مراجعتها؟

عند هذه النقطة، لا نعود أمام مشكلة قديمة اسمها “الرئيس والكونغرس” فقط.

ندخل إلى مشكلة مختلفة: من يملك السيادة عندما يصبح القرار البشري معتمدًا على صندوق أسود تقني يخبر الدولة بما ينبغي أن تراه قبل أن تقرر ما ينبغي أن تفعله؟ من ينتج المعرفة التي تسمح للدولة بأن تقرر أصلًا؟

ففي الحروب القديمة، كان مركز القرار يعتمد على تقارير الضباط، والخرائط، والاستطلاع، والجواسيس، ثم على صور الأقمار الصناعية والاعتراضات الإلكترونية. أما اليوم، فإن جزءًا متزايدًا من هذا التدفق لا يصل إلى صانع القرار في صورته الخام، بل بعد أن يكون قد مر عبر خوارزميات فرز، ونماذج تعلّم آلي، ومنصات دمج بيانات، وشركات تقنية خاصة، وأنظمة قيادة وتحكم صُممت لكي تختصر آلاف الإشارات إلى مجموعة أصغر من الاحتمالات والتوصيات. البنتاغون نفسه جعل في استراتيجيته للذكاء الاصطناعي لعام 2026 تطوير أدوات “إدارة المعركة ودعم القرار” وتسريع تحويل المعلومات الاستخبارية إلى قدرة عملياتية من أولوياته، بما في ذلك برامج هدفها تقصير المسافة بين الاستخبارات والتنفيذ. 

وهنا يتغير معنى السيادة بصورة هادئة، ولكن عميقة.

السيادة في معناها التقليدي تعني أن الدولة هي التي تملك القرار النهائي باستخدام القوة. لكن ماذا لو كانت الصورة التي يُبنى عليها ذلك القرار قد تشكلت داخل منظومة لا يفهم صانع القرار كل تفاصيلها، ولا يملك كل عناصرها، وربما لا تملكها الدولة أصلًا؟ ماذا لو كانت الأقمار الصناعية تجارية، والبيانات تمر عبر بنية سحابية خاصة، والخوارزمية طورتها شركة، ومنصة الدمج تابعة لمتعهد، ثم يصل إلى القائد في النهاية مربع أحمر على شاشة يقول له إن احتمال وجود هدف ذي قيمة مرتفعة في هذه النقطة يبلغ نسبة معينة؟

في هذه الحالة تبقى الدولة، من الناحية القانونية، صاحبة القرار، ولكنها لم تعد وحدها صاحبة الرؤية، وهنا أقترح مفهومًا يمكن أن يساعدنا على فهم هذا التحول: سيادة الصندوق الأسود.

والمقصود ليس أن الخوارزمية أصبحت حاكمًا للدولة، ولا أن الجنرالات يطيعون الآلة كما لو كانت سلطة سياسية مستقلة. هذا تبسيط لا يصف الواقع، والمقصود أن جزءًا من السيادة العملية ينتقل تدريجيًا من القدرة على اتخاذ القرار إلى القدرة على إنتاج البيئة المعرفية التي يبدو داخلها أحد القرارات أكثر عقلانية من غيره.

هذه نقطة شديدة الأهمية، فالدولة لا تتخذ قرارًا في فراغ، هي تتخذ القرار انطلاقًا من صورة للعالم: من هو العدو؟ أين يوجد؟ ما درجة التهديد؟ ما الاحتمال؟ ما البدائل؟ وما الكلفة المتوقعة؟ فإذا أصبحت هذه الصورة نفسها ناتجًا عن أنظمة تحليل آلية معقدة، فإن السؤال السياسي لم يعد فقط: من ضغط الزر؟ بل: من بنى العالم الذي ظهر على الشاشة قبل الضغط على الزر؟

وهذا يغير طبيعة المسؤولية من جذورها.

في النظام التقليدي، يمكن تتبع سلسلة القرار نسبيًا. ضابط جمع معلومة، محلل قيّمها، قائد راجعها، سلطة سياسية أجازت الفعل. قد تكون السلسلة طويلة، لكنها مفهومة من حيث المبدأ. أما في النظام الخوارزمي، فيضاف بين الإنسان والواقع مستوى جديد: نموذج احتمالي يختصر آلاف المتغيرات إلى توصية أو تصنيف أو تنبيه.

وهنا تظهر المشكلة الأولى: الاختصار ليس الحقيقة.

الهدف من الذكاء الاصطناعي العسكري هو، في جزء كبير منه، مساعدة الإنسان على التعامل مع كمية من البيانات لا يستطيع التعامل معها بمفرده. صور أقمار صناعية، تحركات مركبات، إشارات إلكترونية، شبكات اتصالات، بيانات مفتوحة، فيديوهات طائرات مسيرة، سجلات لوجستية، وربما بيانات تجارية ومدنية. دراسة رسمية أمريكية عن دروس الحرب في أوكرانيا تشير إلى الدور المتزايد لشركات خاصة مثل Palantir وMaxar وPlanet Labs وBlackSky في الاستخبارات الجغرافية ومعالجة الصور والبيانات بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الاستخدامات المرتبطة بتتبع الحركة والاستهداف. 

لكن كل نظام يختصر الواقع يفقد شيئًا من الواقع. الخوارزمية لا ترى قرية كما يراها ساكنها. لا تعرف المدرسة باعتبارها مكانًا يحمل ذاكرة اجتماعية. لا تعرف الطريق باعتباره طريقًا يسلكه الأطفال صباحًا. هي تعرف أنماطًا، نقاطًا، علاقات، احتمالات، وتغيرات يمكن قياسها.

وهذا لا يجعلها عديمة القيمة؛ بالعكس، قد تجعلها شديدة القيمة في كشف ما يفشل الإنسان في رؤيته، لكن الخطر يبدأ عندما ينتقل النظام من كونه أداة لتوسيع الشك إلى أداة لإنتاج اليقين الزائف.

فالإنسان حين يقرأ تقريرًا كتبه محلل يعرف عادة أنه يقرأ حكمًا بشريًا، يستطيع أن يسأل: ما المصدر؟ ما الثقة؟ ماذا فاتك؟ أما الرقم الذي تنتجه الخوارزمية — 82 في المئة، مثلًا — فإنه يحمل سلطة نفسية مختلفة، والرقم يبدو أقل ذاتية، وأكثر علمية، حتى لو كانت دقته تعتمد على افتراضات وبيانات وتدريب لا يراها من يتخذ القرار.

وهنا تظهر ظاهرة معروفة في دراسة الأنظمة المؤتمتة: انحياز الأتمتة. الإنسان قد يميل إلى منح النظام الآلي ثقة أكبر مما يستحق، خصوصًا تحت الضغط، وعندما يكون الزمن ضيقًا، وعندما تقدم الآلة إجابة واضحة في وقت لا يقدم فيه الواقع سوى الغموض، وهذا يقود إلى مفارقة خطيرة للغاية كلما زادت قدرة الدولة على جمع المعلومات، قد يزداد اعتمادها على الأدوات التي تختصر المعلومات، وكلما زاد هذا الاعتماد، يصبح عدد أقل من البشر قادرين فعليًا على رؤية الصورة الكاملة. أي أن وفرة المعرفة يمكن أن تنتج مركزية معرفية بدل أن تنتج تعددية في الفهم، وهنا يختلف عصر الذكاء الاصطناعي عن عصر الأقمار الصناعية وحدها. الأقمار الصناعية زادت كمية ما يمكن للدولة رؤيته، أما الذكاء الاصطناعي فيبدأ في التأثير في ما يستحق أن يُرى أصلًا، وهذا تحول سياسي، لا تقني فحسب، لأن السلطة تبدأ دائمًا من تحديد ما الذي يدخل إلى مجال الانتباه.

إذا كانت هناك عشرة آلاف إشارة في ساعة، والخوارزمية ترفع عشرًا فقط إلى القائد، فإن النظام لم يعد مجرد ناقل للمعلومة؛ أصبح يشارك في ترتيب الواقع بحسب الأهمية، ومن هنا يمكن أن نتحدث عن خصخصة الإدراك الاستراتيجي.

المسألة لا تتعلق بخصخصة الجيش بمعنى المرتزقة أو الشركات الأمنية الخاصة، نحن نتحدث عن شيء أعمق أن جزءًا من قدرة الدولة على رؤية العالم يصبح معتمدًا على شركات تجارية تمتلك برمجيات، وأقمارًا صناعية، وخوادم، وسحابة، ونماذج، وبنية تحتية رقمية، وقد أصبح هذا الاعتماد أمرًا معلنًا في البنية الدفاعية الغربية. في 2026، دفعت المنافسة حول الذكاء الاصطناعي العسكري دولًا أوروبية إلى مناقشة مسألة السيادة على البيانات والاعتماد على أدوات أمريكية؛ وقد أثيرت مخاوف في أوروبا بعد اعتماد الناتو نظام Maven Smart System المرتبط بـ Palantir، بينما عرضت شركات أوروبية أنظمة بديلة بوصفها جزءًا من استقلال تقني أكبر. 

وهذا يعني أن السؤال عن الذكاء الاصطناعي العسكري ليس سؤالًا عن الدقة فقط، إنه سؤال عن السيادة التقنية.

من يملك السحابة؟ ومن يملك مفاتيح النظام؟ ومن يستطيع تحديث النموذج؟ ومن يعرف كيف صُنفت البيانات؟ ومن يستطيع وقف الخدمة؟ ومن يستطيع، في لحظة أزمة سياسية، أن يستمر في تشغيل النظام إذا اختلفت الدولة مع الشركة أو مع الدولة التي تنتمي إليها الشركة؟

تلك ليست أسئلة افتراضية تمامًا. الصدام الذي وقع في الولايات المتحدة بين البنتاغون وAnthropic في 2026 أظهر أن الشركات نفسها قد تضع حدودًا على استخدام تقنياتها في مجالات عسكرية حساسة، وأن الخلاف بين الدولة والشركة حول الاستخدام المقبول للذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحول إلى نزاع قانوني وسياسي، وقد تدخل القضاء الفيدرالي في أغسطس لوقف قرار للبنتاغون يتعلق بإقصاء الشركة بعد خلاف حول شروط استخدام أنظمتها في أغراض مثل المراقبة والأسلحة الذاتية، وهنا يظهر تحول تاريخي يستحق المقارنة مع أيزنهاور.

عندما حذر أيزنهاور من المجمع العسكري الصناعي سنة 1961، كانت المشكلة أن الدولة تحتاج إلى شركات خاصة لتنتج الطائرات والصواريخ والدبابات، أما اليوم فالدولة قد تحتاج إلى الشركات نفسها أو إلى شركات جديدة لكي تعرف أين تستخدم الطائرة والصاروخ والدبابة. هذا تطور نوعي، والمتعهد لم يعد فقط ينتج الأداة التي تنفذ القرار، قد يصبح جزءًا من المنظومة التي تشكل القرار قبل تنفيذه، وهنا تتغير العلاقة بين الدولة والسوق.

في النموذج الصناعي القديم، تستطيع الدولة نظريًا أن تقول للشركة: أعطني السلاح، وأنا أقرر كيف أستخدمه.

في النموذج الرقمي الحديث، يصبح الفصل أصعب لأن السلاح والمنصة والمعلومة والتحليل قد تكون أجزاءً من منظومة واحدة، ولهذا يمكن القول إن القرن الحادي والعشرين يشهد انتقالًا من خصخصة القدرة إلى خصخصة أجزاء من الإدراك. وهذه أخطر، لأن الدولة التي تستأجر دبابة لا تفقد بالضرورة رؤيتها السياسية. أما الدولة التي تعتمد على بنية معرفية لا تملك كل مفاتيحها، فإنها قد تصبح أكثر قدرة عسكريًا وأقل استقلالًا معرفيًا في الوقت نفسه، وهذا يقود إلى السؤال الثاني: ماذا يحدث للمسؤولية القانونية عندما يصبح القرار موزعًا عبر هذه الشبكة؟

القانون الدولي الإنساني لا يعفي الدولة لأنها استخدمت خوارزمية، المسؤولية تبقى بشرية ومؤسساتية، القادة والدول يظلون ملزمين بمبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين، لكن التطبيق يصبح أكثر صعوبة عندما يدخل النظام الحسابي إلى سلسلة الاستهداف.

وقد أصبحت هذه المسألة ملموسة جدًا في الحرب الحالية مع إيران. بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق قالت في سبتمبر 2026 إن لديها أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن ضربات أمريكية على مدرسة ومنشأة رياضية في إيران ربما شكّلت جرائم حرب، وانتقدت عدم التحقق الكافي من الأهداف والتهور تجاه حماية المدنيين. إحدى تلك الضربات على مدرسة ابتدائية في ميناب قتلت أكثر من 150 شخصًا، بينهم نحو 120 طفلًا وفق تقرير البعثة. 

من المهم هنا ألا نقفز إلى استنتاج لا تثبته الأدلة المنشورة حتى الآن: التقرير الأممي الذي اطلعت عليه المصادر يركز على قصور التحقق وطبيعة الهجوم؛ ولا ينبغي أن نحول ذلك تلقائيًا إلى حكم نهائي بأن الذكاء الاصطناعي قتل الأطفال. لكن الواقعة تكشف سؤالًا أكبر بكثير من تلك الحادثة نفسها: إذا أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من سلسلة تحليل الهدف، فما مستوى المراجعة البشرية الذي يكفي قبل استخدام قوة قاتلة؟

هذه ليست مسألة تقنية يمكن لمهندس حلها وحده، هي مسألة سياسية وفلسفية، فالقرار الذي يؤدي إلى موت إنسان لا يمكن اختزاله إلى نسبة ثقة، والاحتمال ليس مسؤولية. النظام يستطيع أن يقول إن هناك احتمالًا بنسبة 90 في المئة أن المبنى يُستخدم لغرض عسكري، لكن النظام لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية العشرة في المئة الأخرى. هذه مسؤولية بشرية، وهنا نصل إلى مشكلة أسميها فجوة المسؤولية الخوارزمية.

كل طرف في السلسلة يستطيع أن يقول شيئًا صحيحًا جزئيًا: المهندس لم يختر الهدف، والشركة لم تطلق الصاروخ، والمحلل لم يصدر الأمر، والقائد اعتمد على المعلومات المتاحة، والسياسي اعتمد على توصية الجيش، لكن الإنسان الذي قُتل في النهاية لا يموت جزئيًا، وهذا التشتت في المسؤولية هو إحدى أخطر مشكلات الحروب التقنية.

فكلما أصبحت منظومة القرار أكثر تعقيدًا، أصبح من الأسهل على كل عقدة أن تقول إنها لم تكن صاحبة القرار النهائي، وهنا تظهر مفارقة جديدة: نحن نزيد دقة توزيع الوظائف، لكننا قد نضعف دقة توزيع المسؤولية، وهذا يعيدنا إلى قلب المسألة الجمهورية. الديمقراطية لا تقوم فقط على أن يكون هناك شخص يستطيع اتخاذ القرار، تقوم أيضًا على أن يكون هناك شخص أو مؤسسة يمكن مساءلتها عنه. إذا أصبحت الحرب ناتجًا عن تفاعل عشرات النماذج والمحللين والمتعهدين والضباط والأنظمة، فقد يتحسن الأداء التقني، لكن المساءلة السياسية تصبح أكثر ضبابية، وهنا يصبح الصندوق الأسود مشكلة دستورية. ليس لأنه يفكر بدل الدولة، بل لأنه يخلق مسافة بين القرار وشرح القرار، والجمهورية تحتاج إلى شيء لا تحتاجه الآلة: التبرير، والمواطن يستطيع أن يقول للرئيس: لماذا فعلت ذلك؟ والكونغرس يستطيع أن يسأل القائد: على أي أساس اتخذت هذا القرار؟ والمحكمة تستطيع أن تسأل: هل اتُّبعت القواعد؟ لكن ماذا يحدث عندما تصبح الإجابة: النظام أظهر نمطًا ذا دلالة عالية؟ وهذا قد يكون كافيًا للعمل التقني، ولكنه ليس كافيًا للحكم السياسي، فالديمقراطية لا تستطيع أن تكتفي بأن يكون القرار فعالًا؛ يجب أن يكون قابلًا للتفسير والمساءلة.

وهنا يوجد تناقض بنيوي بين نوعين من الكفاءة، الكفاءة العسكرية تريد تقليل الزمن بين الاستشعار والفعل، وأما الشرعية السياسية فتريد توسيع المسافة بينهما بما يكفي للسؤال والمراجعة والاعتراض.

الأولى تقول: اعثر على الهدف أسرع، والثانية تقول: تأكد أنك تعرف لماذا تضربه.

والنظام السياسي الناضج يحتاج الاثنين، لكن المشكلة أن الحروب عالية السرعة تكافئ الأول أكثر من الثاني، ولهذا فإن عصر الذكاء الاصطناعي قد ينتج ما يمكن أن نسميه تفوقًا تكتيكيًا وعجزًا تفسيريًا: الدولة تعرف أسرع أين تضرب، لكنها تصبح أقل قدرة على شرح سلسلة المعرفة التي أوصلتها إلى قرار الضربة.

وهذا ليس ضعفًا أخلاقيًا فقط، قد يصبح ضعفًا استراتيجيًا، لأن الخطأ في الحرب ليس مجرد حادث. الخطأ يصنع سردية، والسردية تصنع شرعية أو تنزعها، والضربة التي تدمر هدفًا عسكريًا، ولكنها تُفقد الدولة صدقيتها أمام حلفائها وسكان المنطقة قد تكون ناجحة تكتيكيًا وخاسرة استراتيجيًا.

وهنا يعود سؤال الحرب القديم بطريقة جديدة:

هل الهدف من الذكاء الاصطناعي أن يجعلنا أفضل في إصابة الهدف، أم أن يجعلنا أفضل في اختيار الهدف الذي يستحق أن يُصاب أصلًا؟

الفرق هائل، الأول هندسي، والثاني سياسي، ولا توجد خوارزمية تستطيع إلغاء هذا الفرق، بل إن ازدياد قدرة الخوارزمية قد يجعل الحفاظ عليه أكثر ضرورة، ولهذا فإن القضية الحقيقية في عصر AI العسكري ليست السؤال الشعبي المبسط: هل ستقرر الآلات من تقتل؟ في معظم الأنظمة الحالية، لا تزال هناك درجات مختلفة من التحكم البشري.

السؤال الأكثر واقعية هو: كم من القرار يستطيع الإنسان أن يفوضه عمليًا إلى منظومة قبل أن يصبح احتفاظه بالقرار النهائي شكليًا أكثر منه حقيقيًا؟

إذا كان الإنسان يوافق على 99 من كل 100 توصية لأن النظام أسرع منه، ويعرف أكثر منه، ويعرض الواقع بطريقة لا يستطيع هو إعادة بنائها، فهل لا يزال في الحلقة بمعنى سياسي حقيقي، أم أصبح ببساطة آخر توقيع في عملية اتخذت شكلها قبل أن تصل إليه؟

هذا هو جوهر سيادة الصندوق الأسود، فالسيادة لا تضيع فقط عندما يأمر طرف خارجي الدولة بما تفعله، قد تتآكل أيضًا عندما تصبح الدولة غير قادرة على إعادة بناء منطق قرارها بنفسها، وهنا نصل إلى نقطة أكثر اتساعًا من الذكاء الاصطناعي نفسه، فالتحول الجاري ليس مجرد رقمنة للحرب، بل تغيير في العلاقة بين المعرفة والقوة.

في الدولة الحديثة، من يملك المعلومات يملك أفضلية، وفي الدولة الخوارزمية، من يملك القدرة على ترتيب المعلومات وتفسيرها قبل الآخرين قد يملك أفضلية أكبر، وهذا يضع الشركات التقنية داخل قلب الأمن القومي بطريقة لم يعرفها المجمع العسكري الصناعي القديم.

ماذا يحدث للديمقراطية عندما تصبح شركات السلاح والتكنولوجيا والبيانات جزءًا من البيئة التي ينتج داخلها القرار السياسي نفسه؟

عندها لن يكون الحديث عن المجمع العسكري الصناعي كافيًا، سنحتاج إلى فهم بنية جديدة أوسع: المجمع العسكري-الصناعي-الرقمي، ليس بوصفه مؤامرة، بل بوصفه نظام مصالح ومعرفة وعقود ووظائف وتقنيات يجعل الحرب جزءًا من البنية الاقتصادية والسياسية للدولة قبل أن تصبح قرارًا في ساحة المعركة.

عندما تصبح الحرب جزءًا من الجغرافيا السياسية الداخلية

إذا كانت المشكلة في الصفحات السابقة قد بدأت من سرعة القرار، ثم انتقلت إلى الخوارزمية وإلى البنية الصناعية-الرقمية التي أصبحت جزءًا من إنتاج القوة، فإن السؤال التالي لا يتعلق بالخارج أصلًا: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب موزعة داخل المجتمع نفسه بوصفها وظائف وعقودًا واستثمارات ومصالح انتخابية؟

هنا نصل إلى نقطة لا تكفي لفهمها عبارة المجمع العسكري الصناعي إذا استُخدمت كشعار، فالمشكلة ليست أن هناك مجموعة صغيرة تجتمع في غرفة مغلقة وتقرر أن الحرب مفيدة لها، وهذا تصور ساذج، المشكلة أعمق لأنها بنيوية: الإنفاق الدفاعي الحديث لا يذهب إلى مؤسسة واحدة، بل يتوزع عبر شبكة واسعة من الشركات الرئيسية، والموردين من الدرجات الأدنى، ومختبرات البحث، وشركات البرمجيات، ومصانع المحركات والإلكترونيات، ومراكز الصيانة، وشركات الاتصالات، والجامعات، وسلاسل المواد الخام. وزارة الدفاع الأمريكية تعتمد اليوم على شبكة تتجاوز مئتي ألف مورد لإنتاج أنظمة التسليح والمواد والمكونات اللازمة لها، وفقًا لمكتب المساءلة الحكومي الأمريكي. 

هذه الحقيقة الصناعية لها نتيجة سياسية لا تظهر فورًا في الخرائط العسكرية، فكلما اتسعت سلسلة التوريد الدفاعية، اتسعت أيضًا الجغرافيا السياسية الداخلية للحرب.

الصاروخ الذي يظهر على شاشة الأخبار بوصفه قطعة واحدة قد يكون نتاج مكونات جرى تصنيعها في ولايات متعددة، من شركات مختلفة، وعبر سلاسل توريد تضم آلاف الموظفين والموردين، والطائرة المقاتلة ليست مجرد سلاح؛ هي أيضًا أجور، وعقود طويلة الأجل، وبنية تحتية، ومدارس تقنية، ومدن تعتمد اقتصاديًا جزئيًا على الإنفاق الفيدرالي.

وهنا يبدأ التداخل بين الأمن القومي والسياسة المحلية، فالنائب في الكونغرس الذي يصوت على برنامج تسليح لا يتعامل دائمًا مع سؤال مجرد من نوع: هل يحتاج الجيش إلى هذه المنظومة؟ قد يكون السؤال بالنسبة إليه أيضًا: كم وظيفة مرتبطة بها في دائرتي؟ وكم شركة محلية ستتأثر؟ وما أثر إلغاء البرنامج على الولاية؟ وماذا سيحدث للقاعدة الصناعية إذا توقف الإنتاج ثم احتاجت الدولة إليه بعد سنوات؟

هذه ليست أسئلة فاسدة بالضرورة، بعضها مشروع تمامًا، فقد تكون المحافظة على قدرة صناعية معينة جزءًا حقيقيًا من الأمن القومي، بل إن السياسات الأمريكية نفسها تستخدم أدوات مثل قانون الإنتاج الدفاعي لتوسيع القدرة الصناعية وتأمين الموارد ذات الأهمية الاستراتيجية عندما ترى الدولة أن السوق وحده قد لا ينتج ما تحتاجه للأمن الوطني. 

لكن هنا تحديدًا تكمن المعضلة، والشيء نفسه الذي يجعل الصناعة الدفاعية ضرورية للأمن يمكن أن يجعلها أيضًا أصعب سياسيًا في التقليص، وهذه نقطة مختلفة تمامًا عن القول إن شركات السلاح تتحكم في الدولة.

الأدق أن نقول إن الدولة، حين تبني على مدى عقود صناعة عسكرية دائمة، تعيد توزيع أجزاء من هذه الصناعة داخل نسيجها الاقتصادي، ومع الوقت يصبح جزء من القدرة العسكرية متداخلًا مع جزء من الاقتصاد المحلي، وجزء من الاقتصاد المحلي متداخلًا مع الحساب الانتخابي، وهكذا لا تصبح الحرب قرارًا خارجيًا محضًا، تصبح لها دوائر داخلية من الاستمرارية، وهذه الدوائر لا تحتاج إلى مؤامرة حتى تعمل ، يكفي أن تكون الحوافز متوافقة، الشركة تريد استمرار الطلب، والعامل يريد استمرار الوظيفة، والمدينة تريد استمرار القاعدة أو المصنع، والنائب يريد حماية دائرته، والجيش يريد الحفاظ على القدرة، والسلطة التنفيذية تريد تجنب أن تكتشف في أزمة مستقبلية أن خطوط الإنتاج اختفت.

قد يكون لكل طرف سبب عقلاني من موقعه، لكن مجموع الأسباب العقلانية يمكن أن ينتج بنية يصبح فيها تقليص الإنفاق أو إنهاء برنامج أو تغيير استراتيجية أصعب من بدء ذلك البرنامج أصلًا، وهنا يظهر شيء مهم في علم السياسة والاقتصاد المؤسسي، وهو الاعتماد على المسار Path Dependence.

بمجرد أن تستثمر الدولة مليارات الدولارات في منظومة معينة، وتبني حولها مؤسسات ومصانع وتدريبًا وسلاسل توريد، يصبح القرار المستقبلي غير حر تمامًا. الماضي يبدأ في تقييد الحاضر، والقرار لا يعود: هل نحتاج هذا السلاح من الصفر؟ بل: ماذا نخسر إذا تخلينا عن كل ما استثمرناه فيه؟

وهنا يظهر خطر نفسي وسياسي معروف مغالطة التكلفة الغارقة، الأموال التي صُرفت بالفعل لا ينبغي نظريًا أن تحدد القرار المستقبلي إذا تغيرت الحاجة الاستراتيجية، ولكن المؤسسات، مثل الأفراد، تجد صعوبة في الاعتراف بأن استثمارًا ضخمًا لم يعد يحقق الغاية نفسها.

وهذا يفسر لماذا يستطيع برنامج عسكري أن يكتسب مع مرور الزمن نوعًا من الحياة المؤسسية الخاصة به. ليس لأن أحدًا خطط لذلك منذ البداية. بل لأن البرنامج صار محاطًا بشبكة من المصالح والمهارات والعقود والتوقعات، وهنا تتحول الصناعة الدفاعية من وسيلة لتنفيذ الاستراتيجية إلى عامل يؤثر فيما يبدو سياسيًا ممكنًا داخل الاستراتيجية نفسها، وهذا هو المستوى الذي ينبغي أن نقرأ عنده تحذير دوايت أيزنهاور عام 1961.

حين حذر من المجمع العسكري الصناعي، لم يقل إن الصناعة العسكرية غير ضرورية. بالعكس، قال صراحة إن الولايات المتحدة اضطرت إلى إنشاء صناعة تسلح دائمة وواسعة بسبب طبيعة التهديدات التي واجهتها. تحذيره كان من شيء أكثر دقة: أن يصبح الوزن الاقتصادي والسياسي والعلمي لهذا البناء كبيرًا إلى درجة يكتسب معها نفوذًا غير مبرر، وأن يؤدي ذلك إلى اختلال داخل العملية الديمقراطية. كما حذر في الخطاب نفسه من أن السياسة العامة يمكن أن تصبح أسيرة لنخبة علمية-تكنولوجية، وهي عبارة تبدو اليوم أكثر حداثة مما كانت تبدو سنة 1961. 

المثير أن أيزنهاور لم يكن ناشطًا مناهضًا للجيش. كان القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا في الحرب العالمية الثانية، ورئيسًا للجمهورية، ورجلًا يعرف من الداخل معنى القوة العسكرية والضرورة الاستراتيجية، لذلك كانت حجته أكثر تعقيدًا: القوة ضرورية، لكن القوة التي تبنيها الدولة لحماية نفسها تستطيع أن تغير الدولة نفسها إذا لم تُراقب. وهنا تكمن العبقرية في تحذيره، لأن المؤسسة العسكرية لا تحتاج إلى الاستيلاء على الحكم حتى يصبح لها أثر سياسي عميق، يكفي أن تتحول حاجاتها إلى جزء دائم من الميزانية، وأن تتحول الصناعات المرتبطة بها إلى جزء دائم من الاقتصاد، وأن تتحول التكنولوجيا الدفاعية إلى جزء دائم من المعرفة الوطنية. عندها يصبح الأمن القومي ليس مجرد قطاع، بل نظامًا بيئيًا، وهذا هو ما نراه اليوم بصورة أوسع بكثير. المجمع القديم كان يتكون أساسًا من الجيش والصناعة والكونغرس، والمجمع الجديد يضم أيضًا التكنولوجيا، والبيانات، والسحابة، والجامعات، ورأس المال المغامر، وشركات الأمن السيبراني، والأقمار الصناعية التجارية، وسلاسل المعادن الحرجة، ومراكز الأبحاث، وشركات الذكاء الاصطناعي. بل إن البنتاغون يعتمد على شبكة صناعية عالمية عميقة إلى درجة أن مكتب المساءلة الحكومي نفسه حذر من أن وزارة الدفاع لا تملك رؤية كاملة حتى الآن إلى جميع مستويات مورديها، وأن الاعتماد على مصادر أجنبية لبعض المواد والتقنيات يمكن أن يتحول إلى خطر أمني، وهذا ينتج مفارقة جديدة. الدولة التي بنت أضخم آلة عسكرية في العالم لكي تقلل اعتمادها على الآخرين تجد أن هذه الآلة نفسها تعتمد على شبكة اقتصادية شديدة التعقيد، أي أن القوة العسكرية الحديثة ليست كتلة صلبة، هي نظام اجتماعي وصناعي ومالي، وهذا مهم لفهم قرار الحرب، فالقرار باستخدام القوة لا يوقظ الجيش وحده، يوقظ شبكة كاملة من الإنتاج والعقود والصيانة وإعادة التسليح والتحليل واللوجستيات ليس من الضروري أن نقول إن نائبًا يصوت للحرب لأنه تلقى تبرعًا من شركة دفاعية، مثل هذا الادعاء يحتاج إلى إثبات فردي ولا يجوز تحويله إلى قاعدة عامة المشكلة الأعمق هي أن النظام قد ينتج انحيازًا بنيويًا نحو الاستمرارية حتى لو كان كل فرد داخله يتصرف بصورة قانونية، وهذا فرق بالغ الأهمية. الفساد يعني أن شخصًا يخالف القواعد لمصلحة خاصة، أما الانحياز البنيوي فيعني أن القواعد نفسها والحوافز المشروعة قد تدفع النظام في اتجاه معين، وقد يكون الثاني أصعب في الإصلاح من الأول، لأنك تستطيع محاكمة المرتشي، لكن كيف تحاكم شبكة من الحوافز؟ وهنا نصل إلى الكونغرس. فالمؤسسون أعطوا الكونغرس سلطة المال لكي يقيّد السلطة التنفيذية، والنص الدستوري ما زال واضحًا في أن الاعتمادات المالية تكمل سلطات الكونغرس في الحرب، ولكن هناك مفارقة حديثة: الكونغرس الذي يفترض أن يستخدم المال لرقابة الحرب هو نفسه المؤسسة التي توزع المال على اقتصاد أصبح جزء منه مرتبطًا بالحرب. أي أن أداة الرقابة نفسها تمر عبر المؤسسة المتشابكة مع آثار الإنفاق، وهذا لا يبطل سلطة الكونغرس، ولكنه يجعل استخدامها سياسيًا أصعب، فحين يقول باحث دستوري: يستطيع الكونغرس قطع التمويل، تبدو المسألة واضحة. أما في الواقع السياسي، فالتمويل ليس سطرًا واحدًا اسمه الحرب، وهناك رواتب عسكريين، وذخائر، وقواعد، وعقود صيانة، ومساعدات للحلفاء، وبحث وتطوير، وأمن سيبراني، ودفاع جوي، وإنتاج صواريخ، ومخزونات يجب إعادة ملئها، وسلاسل تصنيع قد يؤدي إيقافها إلى فقدان قدرة لا يمكن استعادتها بسرعة، ولهذا فإن Power of the Purse قوية قانونيًا لكنها معقدة سياسيًا، والقوة التي لا تستطيع المؤسسة تحمل كلفة استخدامها تتحول أحيانًا إلى قوة نظرية أكثر منها عملية، وهنا تظهر مشكلة جديدة يمكن أن نسميها: مفارقة الرافعة الدستورية

الكونغرس يملك الرافعة المالية التي تستطيع تقييد الحرب، لكن كلما أصبحت البنية العسكرية أكثر اندماجًا في الاقتصاد، ارتفعت الكلفة السياسية لاستخدام تلك الرافعة، وهذه المفارقة تساعدنا على فهم لماذا لا يكفي أحيانًا أن نقول: الكونغرس يستطيع إيقاف الرئيس، والسؤال الأدق:

هل يستطيع الكونغرس إيقاف الرئيس من دون أن يشعر أعضاؤه أنهم يعاقبون القوات، أو يهددون وظائف ناخبيهم، أو يخاطرون بقدرة صناعية قد يحتاجون إليها لاحقًا؟

هذا هو المستوى الحقيقي للمشكلة، ومن هنا أيضًا نفهم لماذا تكون الحروب أسهل في بدايتها أحيانًا من نهايتها، في البداية تقدم الحرب كاستجابة لخطر، ثم بعد أشهر تتراكم حولها الالتزامات، قوات منتشرة، ذخائر مستهلكة، حلفاء اعتمدوا على الدعم، شركات رفعت الإنتاج، موظفون جرى توظيفهم، قواعد تغيرت مهماتها، ميزانيات أُعيد ترتيبها. ثم يأتي سؤال إنهاء الحرب، لكنه لا يعود عودة إلى اليوم السابق لبدئها. لقد أصبح للحرب ماضٍ يجب تفكيكه، وهذا يقودنا إلى فكرة أكثر فلسفية: الحروب لا تستمر دائمًا لأن الهدف لا يزال مقنعًا، قد تستمر أحيانًا لأن كلفة التوقف أصبحت موزعة على مؤسسات أكثر من كلفة الاستمرار، وهذه واحدة من أخطر حالات الجمود الاستراتيجي. فإذا كان ضرر الحرب موزعًا على المجتمع على شكل ضرائب أو تضخم أو ديون أو مخاطر مستقبلية، بينما تكون فوائد الاستمرار مركزة في مؤسسات وقطاعات لديها قدرة أعلى على التنظيم والضغط، فإن القرار السياسي لا يعكس بالضرورة توازن عدد المؤيدين والمعارضين، وهنا ننتقل من الاقتصاد السياسي للحرب إلى مشكلة أقدم في الديمقراطية: القوة السياسية لا تتوزع حسب عدد الأشخاص فقط، بل حسب قدرتهم على التنظيم. ألف شركة أو جماعة منظمة جيدًا قد تعرف بالضبط ما تريد من بند في الميزانية، عشرات الملايين من المواطنين قد تكون لديهم معارضة عامة للحرب، لكنهم لا يعرفون رقم البند، ولا موعد التصويت، ولا اللجنة المختصة، ولا كيفية تحويل اعتراضهم إلى ضغط مؤسسي، وهنا يصبح الفرق بين الرأي العام والقوة السياسية المنظمة حاسمًا. الديمقراطية لا تحول الرأي إلى سياسة تلقائيًا، بين الاثنين توجد مؤسسات، والذي يفهم المؤسسات أكثر ويملك الوقت والمال والمعلومات للتعامل معها قد يملك تأثيرًا أكبر من حجمه العددي، وهذا لا يخص الصناعة العسكرية فقط. هو قانون عام للسياسة الحديثة، ولكنه يصبح خطيرًا بصورة خاصة عندما يتعلق القرار بالحرب، لأن تكلفة الخطأ ليست تعديلًا ضريبيًا يمكن عكسه في العام التالي، بل أرواحًا وتحالفات وديونًا ومسارات تصعيد قد يصعب استرجاعها، وهنا تصبح مسألة التمويل السياسي وجماعات الضغط أكثر جدية، لكن ينبغي مناقشتها بدقة لا بشعارات، والسؤال العلمي ليس: من اشترى الكونغرس؟ بل:

هل توجد فجوة بين تفضيلات الجمهور العامة وبين قدرة المصالح المنظمة على التأثير في تفاصيل السياسة الخارجية والأمنية؟

وإذا وجدت، فبأي آليات تعمل؟ والتمويل الانتخابي واحد منها، ولكن هناك أيضًا الخبرة المتخصصة، والوصول إلى المسؤولين، وإنتاج الدراسات، وشبكات العلاقات، والقدرة على متابعة التشريعات بندًا بندًا، وتحويل قضية خارجية معقدة إلى معيار انتخابي واضح يعاقب أو يكافئ السياسي، وهذا هو السبب الذي يجعل تحليل جماعات مثل AIPAC أو الصناعات الدفاعية أكثر فائدة عندما ننقل النقاش من الاتهام الأخلاقي إلى اقتصاد التنظيم السياسي. فالقضية ليست أن كل نائب يتلقى تبرعًا يفقد استقلاله، بل أن السياسة الحديثة تعمل في بيئة تكون فيها بعض المصالح أكثر قدرة على الحضور المستمر من الجمهور غير المنظم، وهذا يخلق ما يمكن تسميته: عدم تماثل التنظيم السياسي  Organizational Asymmetry، وهو مفهوم سيكون مهمًا جدًا في فهم كيف يمكن لحكومة أن تستمر في سياسة لا تحظى بالضرورة بحماس واسع في المجتمع، ليس لأن المجتمع بلا أهمية، بل لأن شدة التنظيم قد تكون أحيانًا أهم من اتساع الشعور، وهنا نعود للمرة الأخيرة إلى أيزنهاور، تحذيره لم يكن ضد الجيش ولا ضد العلم ولا ضد الصناعة، كان ضد أن تصبح الدولة غير قادرة على التمييز بين: ما تحتاجه فعلًا للأمن، وما أصبح من الصعب سياسيًا التخلي عنه لأن بنية كاملة نشأت حوله، وهذا فرق حاسم، الدولة القوية تحتاج صناعة دفاعية، لكن الدولة الحكيمة تحتاج أيضًا القدرة على أن تقول لصناعتها الدفاعية: المصلحة الوطنية أكبر من مصلحة استمرار كل برنامج، وتحتاج أن تقول للجيش: القدرة العسكرية وسيلة وليست تعريفًا للسياسة، وتحتاج أن تقول للكونغرس: حماية الوظائف لا يمكن أن تصبح سببًا خفيًا لاستمرار استراتيجية لم تعد تخدم غايتها، وتحتاج أن تقول لشركات التكنولوجيا: خبرتكم مطلوبة، لكن تعريف التهديد والقرار بالحرب لا يمكن خصخصتهما. هنا فقط تعود العلاقة إلى ترتيبها الصحيح: الاقتصاد يخدم الاستراتيجية، والاستراتيجية تخدم السياسة، والسياسة تخضع للدستور، وليس العكس.

حين يعرف الجمهور ولا يقرر — من الرأي العام إلى عدم تماثل التنظيم السياسي

هذه ليست مشكلة أمريكية خالصة، لكنها تظهر في الولايات المتحدة بصورة شديدة الوضوح لأن النظام السياسي يجمع بين انتخابات دورية، وتمويل حملات مرتفع الكلفة، ومؤسسات تشريعية معقدة، وجماعات مصالح تتمتع بقدرات متفاوتة جدًا على التنظيم والوصول إلى صانع القرار. الفكرة الأساسية هنا بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في نتائجها: الرأي العام لا يحكم مباشرة.

المواطن لا يذهب إلى البنتاغون ليقرر المهمة، ولا إلى لجنة الاعتمادات ليكتب البند المالي، ولا إلى مجلس الشيوخ ليصوغ تفويض استخدام القوة. بين تفضيل المواطن وبين القرار النهائي توجد طبقات من المؤسسات: أحزاب، لجان، انتخابات، جماعات ضغط، خبراء، إعلام، مانحون، بيروقراطية، مراكز أبحاث، ومستشارون. ومن ثم فإن الديمقراطية لا تعمل كآلة تحول عدد الأصوات تلقائيًا إلى سياسة، هي تعمل كمنظومة وساطة، وهنا تبدأ المشكلة، لأن الوساطة ليست محايدة دائمًا. بعض المصالح منظمة طوال الوقت، وبعضها يظهر فقط عند الانتخابات، بعضها يعرف أسماء أعضاء اللجان، وتفاصيل مشاريع القوانين، ومواعيد التصويت، واللغة الدقيقة التي تغير بندًا في الميزانية، وبعضها لا يعرف سوى أنه غاضب، وهذا الفرق بين المعرفة السياسية العامة والتنظيم السياسي المتخصص يمكن أن يكون أهم من الفرق العددي نفسه، وهنا نصل إلى ما يمكن تسميته:عدم تماثل التنظيم السياسي  Organizational Asymmetry المقصود ليس أن الأقلية دائمًا تهزم الأغلبية، ولا أن جماعات الضغط تسيطر آليًا على الدولة، المقصود أن التأثير السياسي لا يتناسب دائمًا مع الحجم العددي للمصلحة، بل مع قدرتها على التنظيم والاستمرار والتركيز، وهذه فكرة قديمة في علم السياسة، مجموعة صغيرة لديها مصلحة كبيرة ومحددة قد تنظّم نفسها بكفاءة أعلى من ملايين الأشخاص الذين لديهم مصلحة أضعف أو أكثر تشتتًا، فإذا كان عقد دفاعي معين يعني لشركة ما مليارات الدولارات، فإنها ستوظف خبراء ومحامين ومسؤولين سابقين ومستشارين لمتابعة الملف يوميًا. أما المواطن الذي يتحمل جزءًا ضئيلًا من كلفة العقد عبر الضرائب، فقد لا يملك حافزًا مماثلًا لمتابعة الصفحة 800 من مشروع قانون الدفاع، وهكذا يمكن أن تتجمع التأثيرات السياسية بطريقة لا تتطابق ببساطة مع ما يريده معظم الناس، وهذه ليست مؤامرة، إنها مشكلة في اقتصاد الانتباه والتنظيم، وهنا يصبح التمويل السياسي أكثر أهمية، لكن فقط إذا ناقشناه بدقة.

هل يخلق الاعتماد المتزايد على التمويل الانتخابي بيئة تصبح فيها المصالح شديدة التنظيم أكثر حضورًا من الناخب العادي بين دورة انتخابية وأخرى؟

المشكلة هنا ليست الرشوة بالمعنى الجنائي، المشكلة هي الوصول، المانح الكبير يستطيع أن يكون حاضرًا باستمرار،والمجموعة المنظمة تستطيع أن تقيّم المرشحين، وتدعم منافسين، وتمول إعلانات، وتحول قضية محددة إلى اختبار ولاء سياسي، أما المواطن العادي، حتى عندما يعارض سياسة معينة، فقد لا يملك أيًا من هذه الأدوات، ولهذا وجد مركز Pew في دراساته أن الأمريكيين أنفسهم يرون المال وجماعات الضغط بوصفهما من أكبر مصادر الاختلال في نظامهم السياسي؛ ففي استطلاع 2023 قال نحو 80% إن كبار المانحين للحملات يتمتعون بنفوذ أكبر مما ينبغي، وقال 73% الشيء نفسه عن جماعات الضغط والمصالح الخاصة، بينما رأى 70% أن سكان الدوائر الانتخابية أنفسهم يملكون نفوذًا أقل مما ينبغي. هذه الأرقام لا تثبت أن الكونغرس مُشترى، لكنها تكشف شيئًا مهمًا عن أزمة الإدراك الديمقراطي: المواطنون أنفسهم لا يثقون تمامًا بأن حجمهم العددي يترجم إلى وزن سياسي متناسب، وهنا تبدأ مشكلة الشرعية لأن الديمقراطية تستطيع أن تتحمل وجود خلاف في السياسات، ولكنها تصبح أكثر هشاشة عندما يبدأ المواطن بالاعتقاد أن صوته يدخل إلى النظام بوزن أقل من صوت المال المنظم. في السياسة الخارجية تصبح المشكلة أكثر تعقيدًا، فالمواطن العادي لا يملك عادة معرفة تفصيلية بكل مسألة دولية، ولا يتابع يوميًا العقوبات والتحالفات وموازين الردع، وهذا طبيعي. السياسة الخارجية مجال متخصص ومعقد، ولكن هذه الحقيقة نفسها تمنح المؤسسات والجماعات ذات الخبرة والموارد ميزة معرفية، من يملك ورقة موقف جاهزة عند وقوع الأزمة؟ ومن يستطيع إرسال خبراء إلى الكونغرس؟ ومن يعرف اللغة التي ينبغي إدخالها في مشروع القانون؟ ومن يستطيع تقديم تقدير سياسي سريع للمرشح الذي يخشى أن يخسر أصواتًا أو تمويلًا؟

في هذه النقطة يصبح النفوذ أكثر تعقيدًا من مجرد المال، إنه مزيج من: المال + المعرفة + الوصول + التنظيم + الاستمرارية، وهذا هو السبب الذي يجعل جماعة صغيرة شديدة التنظيم قادرة أحيانًا على ممارسة تأثير يفوق بكثير حجمها الديموغرافي، ليس لأنها أقوى من الأمة، بل لأنها حاضرة داخل المؤسسة في الوقت الذي يكون فيه الرأي العام موجودًا خارجها بصورة أكثر تشتتًا، وهنا يظهر توكفيل بصورة أكثر فائدة من أي تفسير مؤامراتي، حين كتب ألكسيس دو توكفيل عن الديمقراطية الأمريكية في القرن التاسع عشر، كان منبهرًا بقوة الجمعيات والتنظيم المدني. رأى أن الأمريكيين يتعلمون ممارسة السياسة من خلال تكوين جمعيات للدفاع عن مصالحهم وأفكارهم. كان هذا عنده جزءًا من قوة الديمقراطية، ولكن المبدأ نفسه يحمل وجهًا آخر في العصر الحديث: إذا كان حق التنظيم مفتوحًا للجميع نظريًا، فإن القدرة الفعلية على التنظيم ليست متساوية، من يملك المال، والخبراء، والوصول، والإعلام، والوقت، يبدأ السباق من مكان مختلف، وهنا تنتقل الديمقراطية من مشكلة طغيان الأغلبية التي خاف منها توكفيل إلى مشكلة أخرى يمكن تسميتها عدم تماثل القدرة على التنظيم داخل الأغلبية والأقليات معًا.

قد تكون الأغلبية واسعة لكنها ضعيفة التنظيم، وقد تكون الأقلية أصغر لكنها شديدة التركيز، وفي السياسة، التنظيم يحول التفضيل إلى قوة.

الاستطلاعات الحديثة تشير إلى أن تأييد الحرب مع إيران وإدارة ترامب لها محدود، وأن الحرب أصبحت مرتبطة في نظر قطاعات من الجمهور بكلفة المعيشة وارتفاع الوقود. في استطلاع Reuters/Ipsos نُشر في 21 سبتمبر، بلغت نسبة تأييد الضربات ضد إيران نحو 34%، بينما هبطت شعبية ترامب إجمالًا إلى 32%، وأظهر الاستطلاع أيضًا اعتقادًا واسعًا بأن الحرب ستطول، وفي الوقت نفسه بدأ بعض الجمهوريين والمرشحين الجمهوريين إلى مجلس الشيوخ يطالبون علنًا بإنهاء الحرب أو تقييد سلطات الرئيس، وهي إشارة إلى أن المعارضة العامة بدأت تتحول تدريجيًا إلى كلفة انتخابية داخل الحزب نفسه، وهنا يحدث شيء مهم، الرأي العام لم يكن بالضرورة غير موجود في الأشهر السابقة، لكن تأثيره السياسي ازداد عندما اقتربت الانتخابات، وارتفعت أسعار الوقود، وأصبحت الحرب قابلة للترجمة إلى شيء يفهمه الناخب مباشرة: كم أدفع؟ هذه نقطة مركزية، في كثير من الحروب، لا يغير الرأي العام السياسة بمجرد أن يعارضها أخلاقيًا، يصبح أكثر تأثيرًا عندما تتحول الحرب من قضية خارجية مجردة إلى تكلفة داخلية ملموسة، ولهذا يكون البنزين سياسيًا أحيانًا أكثر من التقرير الاستراتيجي.

هذا لا يعني أن المواطنين أنانيون ولا يهتمون بضحايا الخارج، بل يعني أن السياسة الديمقراطية تحتاج إلى آلية ترجمة، الأزمة البعيدة تحتاج إلى سردية، أما الفاتورة فلا تحتاج إلى تفسير، وكلما اقتربت الحرب من الحياة اليومية، تقل قدرة المؤسسات على عزلها داخل لغة الأمن القومي، وهنا يمكن أن نفهم تحول بعض السياسيين لا بوصفه شجاعة مفاجئة بالضرورة ولا انتهازية خالصة، بل بوصفه استجابة لتغير ميزان الحوافز الانتخابية.

وهذه هي نقطة المقالة الأعمق: السياسي لا يعمل فقط داخل منظومة أفكار، يعمل داخل منظومة عقوبات ومكافآت. إذا كانت كلفة مخالفة الرئيس أعلى من كلفة استمرار الحرب، فسيكون الحافز نحو الصمت، وإذا أصبحت كلفة الحرب الانتخابية أعلى، تبدأ الانشقاقات، وهكذا تتحرك السياسة.

لكن هذه الحقيقة تقود إلى سؤال غير مريح:

ماذا لو احتاج النظام الديمقراطي إلى سبعة أشهر من الحرب وارتفاع أسعار الوقود قبل أن تتحول المعارضة إلى قوة سياسية فعلية؟

هنا نعود إلى فكرة الزمن مرة أخرى، في الصفحة الأولى تحدثنا عن فجوة الزمن الدستوري بين سرعة الحرب وبطء المؤسسات، والآن يظهر شكل آخر من الفجوة: فجوة الزمن الديمقراطي.

الحرب تستطيع أن تبدأ في يوم، أما الجمهور فقد يحتاج إلى أشهر حتى: يفهم الكلفة، ويكوّن موقفًا، ويربطه بالمسؤول، ويترجمه إلى ضغط انتخابي، والانتخابات نفسها قد تكون بعد أشهر أخرى.

أي أن النظام الديمقراطي قد يمتلك في النهاية قدرة على معاقبة القرار، لكن بعد أن يصبح جزء كبير من أثر القرار غير قابل للاسترجاع، وهذه معضلة شديدة العمق، فالانتخابات ممتازة في معاقبة السلطة لاحقًا، ولكن الحرب تحتاج أحيانًا إلى من يمنع الخطأ قبل أن يصبح الماضي، ولهذا لا تكفي الانتخابات وحدها لحماية الجمهورية، نحتاج المؤسسات الوسيطة التي تعمل بين انتخابين: الكونغرس، والمحاكم، والإعلام، ولجان الرقابة، والشفافية، والمعارضة السياسية، والبيروقراطية القانونية، هذه ليست عوائق أمام الإرادة الشعبية، هي الوسائل التي تمنع الفجوة الزمنية بين القرار والمحاسبة من أن تصبح واسعة أكثر مما ينبغي، وهنا يظهر سبب آخر يجعل الرأي العام في السياسة الخارجية معقدًا، الجمهور نفسه ليس كتلة واحدة.

في تقرير Pew لعام 2026 عن السياسة الخارجية ظهرت انقسامات حزبية عميقة في تصور الدور الأمريكي في العالم. كما وجد المركز أن 53% من الأمريكيين باتوا يقولون إن السياسة الخارجية الأمريكية لا تراعي كثيرًا مصالح الدول الأخرى، مع اختلاف حزبي شديد في هذا التقييم، هذا مهم لأنه يمنعنا من الوقوع في فكرة رومانسية اسمها إرادة الشعب. غالبًا لا توجد إرادة واحدة، هناك: مخاوف مختلفة، قيم مختلفة، هويات حزبية مختلفة، وتقديرات مختلفة للخطر، وهنا تصبح وظيفة الديمقراطية أصعب من مجرد اتباع الاستطلاع. الدولة لا يمكنها أن تجعل كل قرار أمني استفتاءً لحظيًا، ولكنها أيضًا لا تستطيع تجاهل الرأي العام إلى أجل غير مسمى من دون دفع ثمن في الشرعية.

إذن المشكلة ليست: هل يجب أن يحكم الاستطلاع؟ بل: كيف تميز الدولة بين القيادة الديمقراطية وبين الانفصال عن المجتمع الذي تمنحه الشرعية؟

القيادة أحيانًا تعني اتخاذ قرار غير شعبي، هذه حقيقة، ترومان واجه قرارات شديدة الصعوبة.

كينيدي فعل ذلك، روزفلت كذلك، لكن الفرق بين القيادة والتعالي ليس أن القائد يخالف الجمهور، الفرق أن القائد يبرر، ويطلب التفويض، ويقبل المساءلة، ويحدد الغاية.

أما حين يصبح منطق السلطة: أنا أعرف أكثر، ولذلك لا أحتاج إلى موافقتكم، فإن المشكلة تصبح جمهورية لا استراتيجية فقط، لأن المعلومات السرية قد تجعل الرئيس يعرف أشياء لا يعرفها الجمهور، لكن المعرفة الأكبر لا تمنحه تلقائيًا ملكية الدولة، وهنا يوجد فصل فلسفي يجب الحفاظ عليه: التفوق المعلوماتي ليس تفوقًا في الشرعية. الرئيس قد يعرف أكثر، والجنرال قد يفهم الميدان أكثر، والخبير قد يقرأ البيانات أفضل، ولكن المواطن هو الذي يمنح النظام أساسه السياسي، والديمقراطية ليست ادعاء أن الجميع يعرفون الشيء نفسه، بل أن المعرفة المتخصصة لا تلغي الحق العام في المساءلة.

وهنا نعود إلى جماعات الضغط مرة أخرى، المشكلة الحقيقية ليست وجودها. منع الناس من التنظيم والدفاع عن مصالحهم سيكون بحد ذاته معاديًا للديمقراطية.

السؤال هو: هل النظام قادر على منع اختلاف الموارد من التحول إلى اختلاف مفرط في القدرة على الوصول إلى الدولة؟

وهنا تصبح الشفافية أهم من الشيطنة، نحتاج أن نعرف: من يمول؟ وكم ينفق؟ وعلى ماذا يضغط؟ ومع من يلتقي؟ وأي مشاريع قوانين يدعم؟ وأين تتقاطع المصالح المالية مع القرارات العامة؟ ليس لأن كل علاقة فساد، بل لأن الديمقراطية لا تعمل جيدًا حين تكون شبكات التأثير مرئية لأصحابها فقط.

النفوذ السياسي لا يأتي من مصدر واحد ولا يمكن تفسير الحرب الأمريكية بمنظمة واحدة أو قطاع واحد، هناك أيديولوجيا، ومصالح أمنية، وتحالفات، وحسابات إقليمية، وبيروقراطية، وتاريخ سياسي، وهوية حزبية، وتقديرات استخبارية، ومصالح اقتصادية.

وهنا لا نبحث عن فاعل سري واحد، بل عن بنية حوافز متعددة تجعل بعض الخيارات أسهل من غيرها، وهذه نقطة منهجية مهمة جدًا، فكلما كان النظام السياسي أكثر تعقيدًا، أصبح التفسير الأحادي أقل إقناعًا.

ومن هنا يمكننا صياغة قاعدة أوسع:

في الديمقراطيات الحديثة، لا تتحدد قوة الرأي بعدد من يؤمنون به فقط، بل بمقدار ما يستطيع هؤلاء تحويله إلى تنظيم مستمر داخل المؤسسات.

وهذا يفسر لماذا يمكن لموقف واسع أن يبقى سياسيًا ضعيفًا، ويفسر أيضًا لماذا قد يتحول فجأة إلى قوة هائلة عند اقتراب الانتخابات، فالصوت الذي كان تفضيلًا عامًا يصبح تهديدًا انتخابيًا قابلًا للحساب، عندها تتغير الحوافز، وهكذا يبدأ السياسيون في إعادة قراءة الموقف الذي كان يبدو ثابتًا قبل أشهر.

لكن هذا كله يقودنا إلى سؤال آخر، ربما أكثر أهمية من جماعات الضغط والانتخابات: كيف تتعلم الدولة أنها أخطأت؟  ليس كيف يعاقب الناخب السياسي، بل كيف تعترف المؤسسة نفسها بأن الاستراتيجية لم تعد تعمل؟ وهذه مشكلة مختلفة، فالنظام يستطيع أن يملك استطلاعات حرة وانتخابات حقيقية ومع ذلك يستمر في خطأ استراتيجي مدة طويلة إذا تحولت الحرب إلى اختبار للهيبة أو الهوية أو مصداقية القيادة، عندها يصبح التراجع أصعب نفسيًا ومؤسساتيًا من الاستمرار.

لماذا استطاع كينيدي بعد خليج الخنازير وأزمة الصواريخ الكوبية أن يعيد النظر في بعض افتراضاته؟ ولماذا تفشل قيادات أخرى في التعلم من الفشل، فتضاعف الرهان بدل أن تغيره؟ هناك سننتقل من بنية الديمقراطية إلى بنية التفكير نفسه، لأن أخطر دولة ليست التي ترتكب خطأ، كل الدول تخطئ، الأخطر هي الدولة التي تصبح مؤسساتها غير قادرة على تحويل الخطأ إلى معرفة جديدة.

أن الدولة العظمى لا تُقاس فقط بقدرتها على تصحيح خصومها، بل بقدرتها على تصحيح افتراضاتها هي، هنا نناقش كيف غيّرت أزمة خليج الخنازير ثم أزمة الصواريخ الكوبية طريقة كينيدي في التعامل مع مستشاريه، وكيف بدأ يشك أكثر في الإجماع الأمني المغلق، ولماذا أصبح أكثر وعيًا بخطر وضع الخصم أمام خيار بين الإذلال والتصعيد. ثم نربط ذلك بمفهوم مهم جدًا: هل يمكن أن تتحول الهيبة إلى فخ؟  أي أن تبدأ الحرب لهدف محدد، ثم يصبح استمرارها مرتبطًا بالحفاظ على صورة القوة أكثر من الهدف الأصلي.

بعض الأنظمة حين تصطدم بالواقع تعدّل الاستراتيجية، وبعضها يفسر الفشل كدليل على أنها لم تستخدم قوة كافية، هنا ندخل إلى مفهوم escalation of commitment: كلما دفعت أكثر، يصبح الاعتراف بأن المسار خاطئ أصعب.

من حافة الكارثة إلى القدرة على التعلّم متى تغيّر الدولة افتراضاتها قبل أن تصبح أسيرة لها؟

في كل نظام سياسي هناك لحظة تختلف عن لحظة اتخاذ القرار الأول: لحظة الاعتراف بأن القرار لم يعد ينتج النتيجة التي وُعد بها. هذه اللحظة هي الاختبار الأصعب، لأنها لا تتطلب شجاعة البدء، بل شجاعة المراجعة. الدول لا تفشل فقط لأنها ترتكب أخطاء؛ كل الدول تفعل ذلك، تفشل حين تتحول قراراتها السابقة إلى التزام نفسي ومؤسسي ورمزي يجعل تغيير المسار أصعب من الاستمرار فيه.

وهنا تصبح مسألة الحرب أكثر تعقيدًا من سؤال: من بدأها؟ فبعد أشهر من القتال، لا تعود الدولة تتعامل فقط مع هدف سياسي أصلي، بل مع طبقات تراكمت فوقه: دماء سقطت، قوات انتشرت، أموال أُنفقت، وعود قُطعت للحلفاء، خصوم اختبروا الإرادة، رأي عام بدأ ينقسم، ومؤسسة عسكرية أصبحت مطالبة بإظهار أن التضحيات لم تكن بلا معنى. عند هذه النقطة، يمكن أن تبدأ الحرب في الدفاع عن نفسها.

هذه واحدة من أخطر خصائص الصراعات الممتدة: الغاية التي بدأت الحرب من أجلها قد تتراجع، بينما تصبح حماية قرار الدخول في الحرب غاية جديدة بحد ذاتها.

وهنا يظهر ما يعرف في علم القرار بـ تصعيد الالتزام Escalation of Commitment حين يستثمر الفرد أو المؤسسة كثيرًا في مسار معين، يصبح الاعتراف بأن ذلك المسار خاطئ أكثر كلفة نفسيًا وسياسيًا، وبدل أن يُقرأ الفشل كإشارة إلى ضرورة تغيير الاستراتيجية، قد يُعاد تفسيره بوصفه دليلًا على أن القوة المستخدمة لم تكن كافية بعد، فيصبح الجواب على كل نتيجة غير مرضية هو إضافة مورد جديد: المزيد من الوقت، المزيد من القوات، المزيد من العقوبات، المزيد من الضربات، المزيد من الرهان.

عندها لا يعود السؤال: هل تعمل الاستراتيجية؟ بل: كم ينبغي أن نضيف حتى نجعلها تعمل؟ وهذا تحول خطير جدًا، لأن الاستراتيجية عندها تتوقف عن اختبار نفسها بالواقع، وتبدأ في مطالبة الواقع بأن يثبت صحتها.

كينيدي ليس مهمًا لأنه كان معصومًا من الخطأ

هناك سبب يجعل تجربة جون كينيدي مفيدة هنا، لكنه ليس السبب الرومانسي الذي يجعل بعض السرديات تصوره رئيس سلام منذ البداية، كينيدي ارتكب أخطاء كبيرة.

غزو خليج الخنازير في أبريل 1961 كان فشلًا سياسيًا وعملياتيًا جسيمًا، الوثائق الرسمية الأمريكية نفسها توضح أن الرئيس وافق على العملية وسط ثقة عالية من مسؤولي الاستخبارات في نجاحها، ثم انهارت القوة المهاجمة سريعًا أمام القوات الكوبية. إذن الدرس ليس أن كينيدي كان أكثر حكمة من الآخرين منذ اليوم الأول، الدرس أنه تعلم من الفشل، وهنا يكمن الفرق، هناك قائد يخرج من الخطأ وهو أكثر اقتناعًا بأنه كان محقًا، وهناك قائد يخرج منه وهو أكثر شكًا في طريقة إنتاج القرار نفسها.

كينيدي، بعد خليج الخنازير، أصبح أكثر حذرًا من الإجماع الذي يتشكل داخل دوائر الأمن القومي، وأكثر استعدادًا لطلب خيارات متعارضة، وأقل ميلًا إلى قبول توصية المؤسسة لمجرد أنها صادرة عن خبراء، وهذا التحول ظهر بوضوح في أزمة الصواريخ الكوبية سنة 1962.

أزمة الصواريخ: حين كان القرار العسكري المعقول قد يكون كارثيًا

حين اكتشفت الولايات المتحدة في أكتوبر 1962 مواقع صواريخ نووية سوفيتية في كوبا، لم يكن الخلاف داخل الإدارة الأمريكية بين الحرب والسلام بالمعنى البسيط، كانت هناك خيارات متعددة، وكان بعضها يبدو منطقيًا عسكريًا.

بعض كبار القادة العسكريين أوصوا بضربة جوية واسعة يتبعها غزو لكوبا، وزارة الخارجية الأمريكية توثق أن كل هيئة رؤساء الأركان تقريبًا دفعت باتجاه ضربة جوية ثم غزو، بينما فضّل آخرون خيارات أقل مباشرة. 

وهنا كان السؤال الحاسم: هل النجاح في تدمير الصواريخ يساوي النجاح في إدارة الأزمة؟ ليس بالضرورة، فالضربة الجوية قد تنجح تكتيكيًا في إصابة مواقع، ولكن إذا قُتل جنود سوفييت؟ إذا رد الاتحاد السوفيتي في برلين؟ إذا بقي صاروخ واحد قادرًا على الإطلاق؟ إذا فهم خروتشوف أن واشنطن قررت إسقاط النظام الكوبي؟

هنا يتحول النجاح التكتيكي إلى بوابة لتصعيد لا يستطيع أحد التحكم في نهايته، وهذه هي النقطة التي يجب أن نقارن بها الحروب الحديثة:

القوة العسكرية تقيس ما تستطيع تدميره، أما القيادة الاستراتيجية فعليها أن تقيس ما الذي قد يبدأ بعد التدمير.

من إزالة التهديد إلى إدارة رد فعل الخصم هذه إحدى أهم التحولات التي حدثت في تفكير كينيدي أثناء الأزمة، في الحرب التقليدية البسيطة، قد يبدو الهدف هو القضاء على قدرة الخصم، أما في مواجهة قوة لديها قدرة كبيرة على الرد، فإن الحساب يتغير، لا تسأل فقط: كيف نؤذي الخصم؟ بل: كيف سيقرأ الخصم ما فعلناه؟ وما الخيارات التي نتركها له؟

هذه هي النقطة التي تصبح فيها الاستراتيجية علمًا بإدارة إدراك الآخر، لا مجرد تنظيم وسائل العنف، وقد انتهت أزمة الصواريخ بتسوية معقدة: إزالة الصواريخ السوفيتية من كوبا، تعهد أمريكي بعدم غزو الجزيرة، وإزالة لاحقة لصواريخ جوبيتر الأمريكية من تركيا ضمن ترتيب لم يكن معلنًا بالكامل آنذاك، كما أن تجربة الأزمة دفعت القوتين إلى إنشاء خط اتصال مباشر وإلى خطوات لاحقة باتجاه الحد من التجارب النووية. هذه التفاصيل مهمة لأنها تكسر الأسطورة البسيطة عن أن خروتشوف تراجع بينما انتصر كينيدي، والنتيجة الحقيقية كانت أقرب إلى تسوية سمحت للطرفين بالخروج.

وهنا يوجد درس استراتيجي ضخم:

أفضل التسويات ليست بالضرورة التي تمنح الخصم صفر مكاسب؛ بل التي تجعل قبوله بالتراجع ممكنًا من دون أن يشعر أن البديل الوحيد هو الانتحار السياسي أو العسكري.

الإذلال ليس دائمًا أداة ردع بعد أشهر، عبّر كينيدي في خطابه في الجامعة الأمريكية في يونيو 1963 عن فكرة جوهرية: على القوى النووية أن تتجنب وضع الخصم أمام خيار بين انسحاب مهين وحرب نووية، هذه الفكرة لا تعني التعاطف الساذج مع الخصم هي تنبع من منطق الردع نفسه. إذا دفعت الخصم إلى زاوية لا يستطيع الخروج منها إلا بإذلال كامل، فإنك قد تزيد احتمال اختياره للتصعيد، وهنا يظهر فرق مهم جدًا بين الإكراه والإهانة، فالإكراه الاستراتيجي يريد تغيير سلوك الخصم، أما الإهانة فتريد إظهار خضوعه، الأول قد يكون قابلًا للتحقيق، والثاني قد يجعل التراجع مستحيلًا، وهذا بالضبط ما تجعل بعض الخطابات السياسية المعاصرة أكثر خطورة حين تختزل الخيارات إلى: استسلام كامل أو تدمير، فكلما ارتفعت الطبيعة الوجودية للتهديد، ضاقت المساحة التي يستطيع الخصم داخلها التفاوض من دون أن يظهر أمام مؤسساته ومجتمعه كمن قبل إلغاء نفسه.

الحرب تصبح فخًا عندما تتحول السمعة إلى الهدف، هنا نصل إلى مفهوم مهم جدًا: فخ الهيبة Prestige Trap. تبدأ الحرب عادة بأهداف ملموسة، لكن مع مرور الوقت قد تدخل عبارة مختلفة إلى الخطاب: لا يمكننا التراجع الآن، لأن ذلك سيجعلنا نبدو ضعفاء، وهذه الجملة تبدو استراتيجية، ولكنها خطيرة لأنها تستطيع أن تبرر أي استمرار.

إذا كانت السمعة نفسها هي الهدف، فلا توجد نقطة واضحة للنهاية، فكل تراجع يصبح ضعفًا، وكل تسوية تصبح تنازلًا، وكل تمديد يصبح دليلًا على الصلابة، وهكذا تنتقل الدولة من حماية مصالحها إلى حماية صورتها عن نفسها. وهنا تصبح الهيبة موردًا خطيرًا، نعم، المصداقية مهمة في العلاقات الدولية، ولكنها ليست أصلًا مستقلاً عن السياق، والانسحاب من عملية سيئة لا يعني بالضرورة أن كل خصومك سيستنتجون أنك لن تدافع عن أي مصلحة أخرى، فالدول تميز بين القضايا، والحلفاء يميزون بين الدفاع عن مصلحة أساسية والاستمرار في مغامرة غير ناجحة، والخصم نفسه يراقب ليس فقط إرادة استخدام القوة، بل أيضًا قدرة القيادة على التمييز بين ما يستحق التكلفة وما لا يستحقها.

هنا تصبح الحكمة القدرة على فصل من أنا عن ماذا فعلت هذه مشكلة نفسية عميقة في القيادة، إذا ارتبط القرار بهوية القائد، يصبح تغييره أصعب، وإذا كان السلام يعني بالنسبة إليه الاعتراف بالفشل، قد يواصل الحرب. إذا كان تغيير الاستراتيجية يعني فقدان الهيبة، يصبح الواقع عدوًا شخصيًا، أما القيادة القادرة على التعلم فتفصل بين شيئين: القرار السابق، والهوية السياسية، أي أنها تستطيع أن تقول: المعطيات تغيرت، والاستراتيجية لم تحقق الهدف، ونحتاج إلى تعديلها من دون أن ترى ذلك انهيارًا في الذات. هذه ليست نقطة أخلاقية فقط، إنها قدرة معرفية، فالقائد الذي لا يستطيع تعديل رأيه لا يستطيع التعلم، والدولة التي لا تستطيع تعديل استراتيجيتها لا تستطيع التكيف.

من هنا نفهم 1963 بطريقة مختلفة، معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية التي وُقعت في موسكو في 5 أغسطس 1963 لم تُنهِ الحرب الباردة، ولم تمنع سباق التسلح، ولم تحول الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى حليفين، لكنها حظرت التجارب النووية في الغلاف الجوي والفضاء وتحت الماء، وكانت خطوة حقيقية نحو تقييد جزء من المنافسة النووية، وهذا هو سبب أهميتها.هي مثال على أن خصمين يستطيعان الانتقال من حافة الصدام إلى بناء قاعدة مشتركة محدودة من دون حل الصراع كله، وهذه نقطة بالغة الأهمية في الاستراتيجية الحديثة.

كثير من صناع السياسة يقعون في فخ الاعتقاد أن الاتفاق لا قيمة له إذا لم يحل المشكلة بالكامل، ولكن النظم الخطرة تُدار أحيانًا من خلال اتفاقات جزئية، خط اتصال، وقاعدة اشتباك، وحد للتجارب، وترتيب بحري، ومنطقة خفض تصعيد، هذه لا تصنع سلامًا نهائيًا، لكنها تقلل احتمالات أن ينتج خطأ تكتيكي كارثة استراتيجية.

التعلم الاستراتيجي ليس تغيير الهدف دائمًا؛ أحيانًا هو تغيير طريقة السعي إليه هذه نقطة مهمة جدًا، وقد تظل الدولة متمسكة بمصلحتها الأساسية، ولكنها تغير أداة الوصول إليها، بدلًا من: ضربة، تفاوض. بدلًا من: عقوبة بلا مخرج، ضغط مع عرض. بدلًا من: تهديد شامل.، خطوات مشروطة. أي أن التعلم لا يعني الاستسلام، أحيانًا يعني الانتقال من القوة بوصفها فعلًا إلى القوة بوصفها تصميمًا للخيارات، وهنا يظهر الفرق بين القائد التكتيكي والقائد الاستراتيجي فالأول يسأل: ماذا يمكنني أن أفعل للخصم؟ والثاني يسأل: أي بنية من الحوافز تجعل الخصم يختار ما أريده بنفسه؟ وهذه فكرة شيلينغ في جوهرها.

ماذا يعني ذلك بالنسبة للحرب الحالية مع إيران؟

في سبتمبر 2026، الحرب الأمريكية مع إيران دخلت شهرها السابع، بينما يظهر الرأي العام الأمريكي تحفظًا كبيرًا عليها. استطلاع Reuters/Ipsos المنشور في 21 سبتمبر وجد أن 34% فقط أيدوا الضربات الأمريكية، وأن 82% من المشاركين توقعوا استمرار الحرب مدة طويلة. كما بدأت أصوات جمهورية تبتعد عن دعم استمرارها. وفي الوقت نفسه، استخدم الرئيس ترامب في خطابه أمام الجمعية العامة في 22 سبتمبر لغة شديدة التصعيد، ملوحًا بإمكانية إبادة الجمهورية الإسلامية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، مع قوله أيضًا إنه يتوقع إمكان عقد اتفاق في مرحلة لاحقة. 

هنا تحديدًا يجب ألا يكون السؤال: من سيربح؟ بل: هل ما زال الطرفان يملكان مساحة يمكن داخلها تحويل القوة إلى تسوية من دون أن يحتاج أحدهما إلى الاعتراف بأنه استسلم؟

لأن الحرب حين تمتد تتغير شروطها، في بدايتها يكون السؤال عن الهدف، وبعد أشهر يصبح السؤال عن كيفية الخروج، وهذان شيئان مختلفان، قد تعرف الدولة كيف تدخل الحرب ولا تعرف كيف تخرج منها، وهذا أحد أقدم أمراض القوة.

الخروج ليس نقيض الردع، أحيانًا يُصوَّر التفاوض بعد القتال كأنه تراجع، ولكن هذا الخلط خطير، والردع الحقيقي لا يعني منع التفاوض، وهو يعني أن يعرف الطرف الآخر أن هناك حدودًا واضحة لما تستطيع تحمله الدولة، وأن هناك في الوقت نفسه طريقًا واضحًا لتجنب مزيد من الكلفة.

إذا كان كل خيار أمام الخصم سيؤدي إلى التصعيد نفسه، فلماذا يتراجع؟ وهنا يظهر عنصر كان مركزيًا في أزمة كوبا: الإشارة إلى القوة مع إبقاء باب الخروج مفتوحًا، هذه معادلة صعبة، والقليل من القوة قد لا يردع، والكثير من الإذلال قد يمنع التسوية، وهذا هو سبب أن الاستراتيجية ليست مجرد مسألة امتلاك وسائل أكبر، إنها مسألة معايرة.

أكبر علامة على النضج الاستراتيجي: القدرة على تغيير السؤال حين تبدأ أزمة، يسأل القائد: كيف نرد؟ ثم ربما يسأل: كيف ننتصر؟ لكن بعد فترة قد يصبح السؤال الصحيح: ما الذي ينبغي أن يبدو عليه الوضع الذي نستطيع العيش معه؟  هذا تغير جوهري، لأن النصر العسكري مفهوم نسبي، أما الحالة السياسية القابلة للاستمرار فهي أكثر أهمية، قد تدمر كل هدف عسكري معروف ولا تنتج تسوية، وقد تقبل تسوية غير كاملة وتنتج عشر سنوات من الاستقرار.

الاستراتيجية ليست فن الوصول إلى الصورة الأكثر إرضاءً، هي فن الوصول إلى وضع أقل سوءًا ويمكن الحفاظ عليه.

هذه هي النقطة التي فصلت لحظة 1962 عن لحظة 1963 أزمة الصواريخ كانت مواجهة حول القوة، أما ما جاء بعدها فكان بداية تعلم أن إدارة القوة قد تكون أهم من استعراضها، إنشاء الخط الساخن، والتفاوض حول التجارب النووية، واللغة الجديدة في خطاب الجامعة الأمريكية، ثم خطاب الأمم المتحدة في سبتمبر 1963، حين قال كينيدي إن المعاهدة لا تنهي الحرب ولا تحل النزاعات، لكنها يمكن أن تكون رافعة تحرك العالم في اتجاه مختلف. هذا التحول هو ما ينبغي أن نهتم به، ليس لأن كينيدي وصل إلى سلام دائم، لم يفعل، بل لأنه أدرك شيئًا بعد الاقتراب من الحافة:

القوة التي لا تملك آلية للتراجع عن التصعيد تصبح رهينة قدرتها على التصعيد.

وهذه ربما واحدة من أهم قواعد العصر النووي وما بعد النووي.

الدولة التي لا تستطيع الاعتراف بالخطأ تصبح أكثر خطورة على نفسها، هذه الفكرة تتجاوز أمريكا وإيران، فكل دولة تحتاج إلى ما يمكن أن نسميه: قدرة مؤسسية على التصحيح Institutional Capacity for Correction.

أي أن النظام يجب ألا يملك فقط القدرة على اتخاذ القرار، بل القدرة على مراجعته، مراكز أبحاث لا تخشى الحكومة، وأجهزة استخبارات تستطيع تقديم تقديرات مزعجة، وقادة عسكريون يستطيعون قول إن الغاية غير قابلة للتحقيق بالأداة المتاحة، وبرلمان يستطيع رفض التمويل، وإعلام يستطيع اختبار الرواية الرسمية، ومسؤولون يستطيعون تغيير موقفهم من دون أن يُعامل كل تعديل بوصفه خيانة، وهذه ليست علامات ضعف، هي آليات مضادة للعمى الاستراتيجي.

الدولة التي تقمع كل إشارة تناقض افتراضاتها قد تبدو أكثر وحدة في لحظة الأزمة، لكنها في الحقيقة تصبح أقل قدرة على رؤية الواقع.

القوة العظمى لا تحتاج فقط إلى أسلحة أكثر دقة، تحتاج إلى مؤسسات قادرة على الاعتراف بأن الهدف قد لا يستحق الذخيرة الإضافية. لا تحتاج فقط إلى استخبارات تعرف مكان الخصم، تحتاج إلى تفكير يعرف متى لم يعد ضرب الخصم يغيّر النتيجة السياسية، ولا تحتاج فقط إلى رئيس قادر على اتخاذ القرار تحت الضغط، تحتاج إلى نظام قادر على إخباره أن القرار الذي كان معقولًا بالأمس قد أصبح غير معقول اليوم، وهذا هو الفارق بين الدولة التي تتعلم والدولة التي تراكم القوة حول خطئها.

وإذا كانت أزمة الصواريخ الكوبية قدمت للعالم درسًا واحدًا قابلًا للبقاء، فهو أن الاقتراب من الكارثة لا يضمن التعلم، التعلم يحدث فقط إذا كانت القيادة مستعدة لتحويل الخوف إلى مراجعة للفرضيات، لا إلى مبرر لاستخدام قوة أكبر، لأن التعلم وحده لا يكفي، حتى إذا أدركت الدولة ضرورة الخروج، تحتاج إلى مكان وآلية ولغة تسمح بتحويل المراجعة إلى تسوية، وفي عام 1963 رأى كينيدي في الأمم المتحدة ومعاهدة الحظر الجزئي نقطة ارتكاز يمكن استخدامها لهذا الغرض.

الرافعة والشرعية حين تصبح المؤسسة الدولية طريقًا للخروج من الحرب

إذا كانت الفقرة السابقة قد انتهت عند قدرة الدولة على التعلّم من اقترابها من الكارثة، فإن السؤال التالي يصبح أكثر عملية: حتى لو أدركت القيادة أن استمرار التصعيد لم يعد يخدم الغاية السياسية، أين يمكن تحويل هذا الإدراك إلى مخرج؟ فالتراجع الذهني عن الافتراضات القديمة لا يكفي وحده، يحتاج إلى مؤسسة، ولغة، وضمانات، وآلية تسمح للطرفين بالتحرك من المواجهة إلى التسوية من دون أن يضطر أحدهما إلى إعلان هزيمته الكاملة.

هنا تكتسب الأمم المتحدة أهميتها الحقيقية، لا بوصفها مسرحًا للخطب، ولا بوصفها سلطة عالمية فوق الدول، بل بوصفها مكانًا يمكن فيه تحويل القوة إلى تفاوض، والمواجهة الثنائية إلى مسألة متعددة الأطراف، والانسحاب من التصعيد إلى سلوك يمكن تغليفه بالشرعية بدل إذلال الطرف الذي يقوم به.

وهذه وظيفة أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد حفظ السلام، الميثاق نفسه بُني على محاولة تغيير القاعدة التي حكمت النظام الدولي طويلًا: ألا يكون امتلاك القوة مساويًا لامتلاك الحق في استخدامها، المادة 2 من الميثاق تجمع بين المساواة في السيادة، وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية، وحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي، وهذه ليست ضمانة بأن الدول ستطيع دائمًا، لكنها محاولة دستورية على المستوى الدولي لفصل القدرة عن المشروعية، وهنا يوجد تشابه مثير بين النظام الجمهوري الداخلي والنظام الدولي. في الداخل الأمريكي، حاول الدستور أن يقول للرئيس: امتلاكك الجيش لا يعني أن قرار الحرب ملك شخصك، وفي النظام الدولي، يحاول ميثاق الأمم المتحدة أن يقول للدولة القوية: امتلاكك القدرة العسكرية لا يعني أن كل استخدام ممكن للقوة يصبح مشروعًا لمجرد أنك قادر عليه، في الحالتين توجد الفكرة نفسها:

القوة تحتاج إلى قيد يأتي من خارج إرادتها المباشرة، وهذا مهم لفهم لماذا كانت الأمم المتحدة في تصور كينيدي سنة 1963 أكثر من قاعة دبلوماسية.

بعد أزمة الصواريخ الكوبية، لم تختفِ الخصومة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. الجيوش بقيت، والأسلحة النووية بقيت، وأوروبا بقيت مقسمة، والحرب الباردة لم تنتهِ. لكن شيئًا تغير أصبح الطرفان أكثر وعيًا بأن نظامًا لا يملك وسائل لإيقاف التصعيد يمكن أن يقودهما، بفعل سوء الحساب وحده، إلى نتيجة لا يريدها أي منهما.

ولهذا جاءت معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية سنة 1963 باعتبارها اتفاقًا محدودًا جدًا مقارنة بحجم الصراع، لم تلغِ السلاح النووي، لم تحظر التجارب تحت الأرض، ولم تنه سباق التسلح، ولكنها حظرت التجارب في الغلاف الجوي والفضاء وتحت الماء، وأثبتت أن الخصومة الوجودية لا تمنع وجود منطقة ضيقة من المصلحة المشتركة. الوثائق الأمريكية المعاصرة تظهر أن إدارة كينيدي رأت الاتفاق الجزئي، رغم قصوره، فرصة قابلة للاستثمار لمنع سباق تسلح أشد خطورة، وهنا تكمن إحدى أكثر الأفكار الاستراتيجية أهمية في تاريخ الردع:

ليس مطلوبًا أن يتفق الخصمان على العالم كله لكي يتفقا على ألا يدمراه.

هذه ليست عبارة أخلاقية، إنها بنية عقلانية للمصلحة، فالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لم يتوصلا إلى الاتفاق لأن خلافهما أصبح أقل حدة فجأة، بل لأن هناك مجالًا ضيقًا تداخلت فيه مصلحتاهما رغم استمرار العداء. كينيدي كان قد دعا في خطاب الجامعة الأمريكية في يونيو 1963 إلى إعادة النظر في الموقف من السلام نفسه، والتفريق بين الخلافات الحقيقية وبين المصالح المشتركة التي يمكن العمل عليها، الوثائق الرسمية لوزارة الخارجية تسجل أن خطابه شدد على أن البلدين يشتركان على الأقل في مصلحة تجنب الحرب الشاملة وكبح سباق التسلح، وهذا يقودنا إلى مفهوم يمكن أن نسميه السلام الجزئي القابل للتراكم.

الفكر السياسي يقع كثيرًا في وهمين متعاكسين. الأول أن الاتفاق الجزئي عديم القيمة لأنه لم يحل أصل الصراع، والثاني أن اتفاقًا جزئيًا يعني أننا أصبحنا أمام سلام حقيقي، فكلاهما خاطئ.

أحيانًا لا تكون وظيفة الاتفاق أن يحل النزاع، بل أن يمنع النزاع من الوصول إلى منطقة لا يمكن الرجوع منها، قناة اتصال لا تحل العداء، قاعدة لمنع الاصطدام لا تنهي المنافسة، معاهدة اختبار لا تلغي الترسانة، وقف إطلاق نار لا يصنع مصالحة، لكن كل واحدة منها يمكن أن تقلل عدد الطرق التي يستطيع الخطأ أن يتحول عبرها إلى كارثة، وهذه ليست إنجازات صغيرة، في الأنظمة المعقدة، تقليل عدد مسارات الانهيار قد يكون أكثر واقعية من محاولة بناء نظام مثالي دفعة واحدة.

هنا يمكننا العودة إلى استعارة أرخميدس التي استخدمها كينيدي أمام الأمم المتحدة في سبتمبر 1963، المعنى الشهير للرافعة هو أن قوة محدودة تستطيع تحريك وزن أكبر كثيرًا إذا وجدت نقطة الارتكاز الصحيحة.

كينيدي لم يكن يستخدم الصورة كزينة أدبية فقط، كان يعبّر عن رؤية محددة لدور المؤسسة الدولية الأمم المتحدة لا تملك من القوة ما يسمح لها بإجبار القوى العظمى على السلام، لكنها تستطيع، في ظروف معينة، أن تمنح الأطراف نقطة ارتكاز سياسية وقانونية تسمح لهم بالتحرك إلى مكان لم يكونوا قادرين على الوصول إليه بصورة ثنائية مباشرة، وهنا تصبح الشرعية نفسها شكلًا من أشكال القوة، ليس لأن الشرعية توقف الصواريخ جسديًا، بل لأنها تستطيع أن تغيّر كلفة الخيارات. دولة تقبل تسوية تحت مظلة أممية تستطيع أن تقول لجمهورها: لم نستسلم للخصم؛ استجبنا لترتيب دولي، ودولة تقبل مراقبين دوليين تستطيع أن تقول: لم نمنح الطرف الآخر ثقة مطلقة؛ قبلنا آلية تحقق، ودولة تسحب قوة من منطقة ما يمكنها أن تقدم الخطوة بوصفها تنفيذًا لاتفاق متبادل، لا انسحابًا تحت الضغط.

هذا الفرق في السردية ليس ثانويًا، الدول لا تتحرك فقط وفق حسابات القوة المادية، تتحرك أيضًا تحت ضغط المكانة، والشرعية، والرأي العام، والهوية السياسية، والمخرج الذي يبدو مقبولًا عسكريًا قد يفشل سياسيًا إذا بدا في الداخل كإذلال، ولهذا تكون المؤسسة الدولية مفيدة أحيانًا ليس لأنها تملك قوة أكبر من الأطراف، بل لأنها تستطيع أن تغير معنى الفعل نفسه. التراجع الأحادي قد يبدو هزيمة، التراجع المتبادل ضمن اتفاق قد يبدو تسوية، وقف الضربة من طرف واحد قد يبدو ترددًا، وقفها مقابل التزام قابل للتحقق قد يبدو إنجازًا تفاوضيًا، وهكذا يصبح الشكل المؤسسي جزءًا من الجوهر الاستراتيجي.

وهنا نجد فرقًا دقيقًا بين الشرعية والقوة، من السهل القول إن القوة بلا شرعية ضعيفة، لكن ذلك تبسيط، دول كثيرة تستطيع استخدام القوة من دون شرعية واسعة وتحقق نتائج محددة، فالمشكلة تظهر على المدى الأبعد، والقوة تستطيع أن تفتح الباب، لكن الشرعية تحدد غالبًا ما إذا كان الآخرون سيدخلون معك عبره أم سيبحثون عن باب آخر.

الحليف الذي يعتقد أن سياستك شرعية أكثر استعدادًا لتحمل الكلفة، والدولة المحايدة أكثر استعدادًا للتعاون، والمؤسسات الاقتصادية أقل خوفًا من التعامل، وحتى الخصم قد يجد الاتفاق معك أقل تكلفة إذا كانت النتيجة قابلة للتقديم بوصفها قاعدة عامة لا إذلالًا خاصًا له، لهذا يمكن القول إن الشرعية ليست نقيض القوة، هي مضاعِف لقدرتها على التحول إلى نظام مستقر.

يمكنك احتلال أرض بالقوة، ولكن الحفاظ على ترتيب سياسي يحتاج أكثر من القوة، ويمكنك فرض عقوبة، لكن تحويلها إلى اتفاق يحتاج مخرجًا. يمكنك تدمير منشأة، ولكن منع إعادة بنائها قد يحتاج آلية رقابة وتفاهمًا سياسيًا، وهنا يكون الفرق بين السيطرة وبين الحكم.

لكن هذا يقود إلى المشكلة الكبرى للأمم المتحدة نفسها، فالمنظمة صُممت على أساس مبدأ المساواة السيادية بين الدول، وفي الوقت نفسه أعطى نظام مجلس الأمن خمس قوى دائمة امتياز الفيتو. هذه ليست مصادفة تاريخية يمكن تجاهلها، هي تعكس المفارقة التي قامت عليها المؤسسة منذ 1945: كيف تبني قانونًا عالميًا بينما تعلم أن النظام نفسه يعتمد على تعاون القوى التي تملك القدرة الأكبر على خرقه؟

الأمم المتحدة ليست دولة فوق الدول، ولم تُصمم لتكون كذلك، هي في جزء كبير منها ترتيب بين سيادات متنافسة، تتفاوت بشدة في القوة، وتحاول أن تخلق قواعد مشتركة من دون إزالة ذلك التفاوت، ولهذا فإن المؤسسة تستطيع أن تكون قوية جدًا عندما تتقاطع مصالح القوى الكبرى، وضعيفة جدًا عندما تصبح إحدى تلك القوى طرفًا مباشرًا في الصراع، هذه ليست مفاجأة، إنها جزء من تصميمها، ومن هنا يجب تجنب نوعين من التفكير الساذج. الأول يعتقد أن الأمم المتحدة تستطيع فرض القانون على أي دولة متى أرادت، ثم يعتبر كل فشل دليلًا على عدم جدواها، والثاني يعتبر المنظمة عديمة القيمة لأنها لا تستطيع فرض كل قراراتها على القوى الكبرى، كلاهما يقيس المؤسسة بوظيفة لم تُصمم أصلًا لأدائها بصورة كاملة. قيمة الأمم المتحدة الحقيقية كثيرًا ما تكون في المساحة الواقعة بين العجز والسيادة العالمية: إنتاج اللغة القانونية، وتثبيت القواعد، وتوفير منصات التفاوض، ومنح الاعتراف، وتوفير آليات التحقيق، وتشكيل تحالفات دبلوماسية، وتسجيل المواقف، وخلق مراقبة دولية، وأحيانًا توفير الإطار الذي يستطيع الطرفان من خلاله الخروج من أزمة من دون أن يسلّم أحدهما مباشرة للآخر.

وهذا يفسر لماذا يكون استخدام منبر الجمعية العامة للتهديد المباشر بالقوة أمرًا ذا دلالة تتجاوز الكلمات نفسها، فالمفارقة ليست فقط أن التهديد يأتي داخل مؤسسة أُنشئت للسلام، الأعمق أن المادة 2(4) من الميثاق لا تحظر استخدام القوة غير المشروع فقط، بل تتناول أيضًا التهديد باستعمالها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي للدول. الميثاق يحاول أن يجعل التهديد بالحرب جزءًا من المجال القانوني، لا مجرد امتياز بلاغي للدولة القوية، وهذا تطور حضاري مهم، في النظام القديم كانت القدرة على التهديد جزءًا طبيعيًا من السيادة، أما نظام ما بعد 1945 فحاول أن يقول إن السيادة نفسها أصبحت مقيدة بقواعد مشتركة، لا يعني هذا أن القواعد تنجح دائمًا، لكنه يعني أن ممارسة القوة أصبحت مطالبة بالتبرير.

من وستفاليا إلى القرن التاسع عشر، ثم إلى الحروب العالمية، كانت الحرب لوقت طويل أداة أكثر قبولًا في السياسة الدولية مما أصبحت عليه بعد 1945. ميثاق الأمم المتحدة لم يقضِ عليها، لكنه غيّر القاعدة المعيارية: الحرب لم تعد في القانون الدولي المعاصر خيارًا سياديًا عاديًا يمكن للدولة اللجوء إليه لمجرد أنها ترى ذلك مناسبًا، هذا التغير في القاعدة لم يمنع فيتنام، أو العراق، أو أوكرانيا، أو عشرات الحروب الأخرى، لكن فشل القاعدة في منع كل الانتهاكات لا يعني أنها بلا أثر، قانون القتل داخل الدولة لا يمنع كل جريمة قتل، لكن لا نستنتج منه أن وجوده بلا معنى، القواعد تغير لغة التبرير، وتغير الكلفة الدبلوماسية، وتغير ما يستطيع الحلفاء الدفاع عنه، وتوفر أساسًا للمساءلة، وتجعل الدولة التي تستخدم القوة مضطرة، على الأقل، إلى بناء حجة قانونية وسياسية لعملها، وهذه ليست سيادة القانون الكاملة، لكنها أيضًا ليست عالم القرن التاسع عشر.

وهنا نصل إلى نقطة قد تكون أهم من سؤال قوة الأمم المتحدة ذاتها: المؤسسة الدولية تستطيع أن تكون رافعة فقط إذا أرادت الدول استخدامها كرافعة، وهذا ما كان مختلفًا في لحظة 1963، لم تحقق الأمم المتحدة معاهدة الحظر الجزئي من تلقاء نفسها، كينيدي وخروتشوف وماكميلان وغيرهم صنعوا الاتفاق عبر التفاوض، ولكن الأمم المتحدة وفرت لغة ومكانًا وسياقًا يمكن من خلاله تقديم التحول على أنه جزء من مسؤولية أكبر تجاه النظام الدولي، وهنا يصبح الفرق بين القيادة والمؤسسة مهمًا، المؤسسة لا تنتج الإرادة، لكن الإرادة بلا مؤسسة قد لا تجد شكلًا مستدامًا، وهذا يشبه كثيرًا العلاقة بين الدستور والسياسي التي ناقشناها في الصفحات الأولى، فالدستور لا يمنع الرئيس تلقائيًا، والكونغرس يجب أن يستخدم سلطاته، والأمم المتحدة لا تمنع الحرب تلقائيًا، الدول يجب أن تستخدم ما توفره من قواعد وآليات، أي أن المؤسسة ليست بديلًا عن السياسة هي بنية تجعل نوعًا معينًا من السياسة ممكنًا، ومن هنا يمكننا إعادة تفسير استعارة الرافعة بصورة أعمق، في الميكانيكا، لا تكفي الرافعة، تحتاج أيضًا إلى نقطة ثابتة تستند إليها. في السياسة الدولية، الاتفاق هو الرافعة، لكن القاعدة المشتركة هي نقطة الارتكاز، إذا لم يؤمن الطرفان بأي قاعدة مشتركة، لا توجد نقطة تستند إليها الصفقة، وهذا ربما هو أحد أكبر أخطار اللحظة الدولية الحالية ليست المشكلة فقط أن الدول تختلف في المصالح، بل أن بعض الخلافات تمتد إلى القواعد نفسها، من يملك الحق في استخدام القوة؟ ما معنى السيادة؟ متى يجوز الدفاع عن النفس؟ من يحدد الحقيقة؟ من يثق بتقارير المؤسسات؟

إذا انهارت الأرضية المشتركة، يصبح التفاوض أصعب حتى عندما تكون التسوية في مصلحة الجميع، ولهذا فإن تآكل القانون الدولي لا يضر الضعيف فقط، إنه يضر القوي أيضًا، لأن القوة العظمى تحتاج إلى قواعد حين تريد من الآخرين أن يصدقوا التزاماتها، وتحتاج إلى المعاهدات حين تريد التحقق، وتحتاج إلى المؤسسات حين تريد من الخصم أن يثق بأن التنازل لن يتحول في اليوم التالي إلى خطوة جديدة ضده، وهكذا نصل إلى مفارقة أخرى:

القوة التي تحطم القواعد التي تقيدها قد تكتشف لاحقًا أنها حطمت الأدوات التي كانت تحتاجها لإقناع الآخرين بتصديقها.

وهذه ليست حجة أخلاقية هي حجة استراتيجية، فالثقة نفسها أصل، والمؤسسات مخازن جزئية للثقة، وحين تستهلكها الدول بلا اكتراث، تصبح كل تسوية لاحقة أكثر تكلفة لأنها تحتاج إلى ضمانات أكبر ومراقبة أشد وآليات أكثر تعقيدًا، ومن هنا نستطيع فهم ما كان أعمق في خطاب كينيدي سنة 1963، لم يكن يقول إن الأمم المتحدة ستحل الصراع بين القوى الكبرى، كان يقول، بصورة أكثر واقعية، إن العالم يحتاج إلى نقطة يمكن الوقوف عليها لتحريك الاتجاه، هذه هي قيمة الرافعة، لا تغير الجاذبية، ولكنها تغير ما تستطيع فعله داخلها، ولا تلغي التفاوت في القوة، ولكنها تسمح باستخدام قدر محدود من التعاون لإنتاج أثر أكبر من حجمه الأولي، وهذه ربما أفضل طريقة للنظر إلى المؤسسات الدولية نفسها، هي ليست بديلًا عن ميزان القوة، ولكنها تستطيع أحيانًا أن تغير الطريقة التي يعمل بها ميزان القوة.

حين تصبح القدرة على التراجع جزءًا من تعريف القوة

وصلنا في الصفحات السابقة إلى نتيجة قد تبدو للوهلة الأولى متناقضة، وهي كلما أصبحت الدولة أكثر قدرة على استخدام القوة بسرعة ودقة وعلى نطاق واسع، أصبحت حاجتها إلى مؤسسات تستطيع إبطاء هذا الاستخدام، ومراجعته، وتفسيره، بل وإيقافه، أكبر لا أصغر، وهذه ليست مفارقة لغوية، إنها واحدة من القضايا المركزية في الدولة الحديثة. فالضعف التقليدي كان يعني العجز عن الفعل، أما خطر القوة الحديثة فقد يكون، أحيانًا، العجز عن الامتناع عن الفعل بعد أن تصبح القدرة متاحة.

الدولة التي لا تملك صاروخًا لا تواجه سؤال استخدامه، أما الدولة التي تملك آلاف الخيارات العسكرية، وشبكات استخبارات عالمية، وقواعد منتشرة، وقدرات سيبرانية، ومنظومات ذكاء اصطناعي تستطيع تسريع تحليل الأهداف، فهي تواجه مشكلة مختلفة تمامًا: كيف تمنع وفرة الوسائل من أن تسبق وضوح الغاية؟ وهنا يصبح السؤال الاستراتيجي الحقيقي ليس: ماذا نستطيع أن نفعل؟ بل: ما الذي ينبغي ألا نفعله رغم قدرتنا عليه؟

وهذه هي النقطة التي يعود عندها المقال، بعد كل ما مرّ به من دستور وتكنولوجيا واقتصاد ومؤسسات، إلى سؤال فلسفي شديد القدم: هل القوة هي القدرة على إخضاع الآخرين، أم أن أعلى أشكالها هو القدرة على ضبط الذات؟

في الفكر السياسي القديم، كان الحاكم القوي هو من يستطيع فرض إرادته، لكن الدولة الحديثة أضافت إلى مفهوم القوة عنصرًا آخر: المؤسسات التي تمنع الإرادة الفردية من التحول فورًا إلى إرادة الدولة، ولهذا لم تكن الجمهورية الأمريكية في أصلها محاولة لإلغاء السلطة، بل محاولة لتوزيعها بحيث لا تستطيع أية سلطة أن تتحول بسهولة إلى إرادة مطلقة.

لكن التكنولوجيا غيرت سرعة هذا التوازن، وهنا تكمن المسألة الأساسية التي حملها هذا المقال منذ صفحته الأولى، الدستور يعمل بالزمن البشري، والمداولات تحتاج وقتًا، والقانون يحتاج تفسيرًا، والمعارضة تحتاج تنظيمًا، والرأي العام يحتاج معرفة، والمؤسسات تحتاج إلى معلومات قبل أن تحكم، أما الحرب الحديثة فتعمل بزمن مختلف، والرادار يكتشف في ثوانٍ، والخوارزمية ترتب الاحتمالات في أجزاء من الثانية، والطائرة المسيّرة لا تحتاج إلى انتظار تعبئة جيش، والصاروخ لا يحتاج إلى أسابيع حتى يصل إلى المسرح، والرئيس أو القيادة التنفيذية تستطيع الانتقال من المعلومة إلى الأمر بوتيرة لم يكن يستطيع واضعو الدساتير القديمة تصورها، لهذا فإن المشكلة الجديدة ليست فقط تركيز السلطة، إنها أيضًا تسارع السلطة، وهذا فرق مهم، فحتى لو بقيت القواعد القانونية نفسها على الورق، يمكن للتسارع أن يغير ميزان القوة العملي بين المؤسسات،  الطرف الذي يملك القدرة على خلق الواقع أولًا يملك ميزة على الطرف الذي لا يستطيع التدخل إلا بعد خلقه، وهكذا تتحول الرقابة من: هل نفعل؟ إلى: ماذا نفعل الآن بعد أن فعلنا؟ وهذه ليست الرقابة نفسها، في اللحظة الأولى يقرر النظام، وفي الثانية يدير عواقب قرار سبق اتخاذه، ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لم يكن سؤال الحرب الأمريكي عبر العقود سؤالًا دستوريا جامدًا حول مادة واحدة، بل صراعًا مستمرًا حول من يملك المبادرة ومن يملك القدرة على إيقاف ما بدأه الآخر، ولكن التكنولوجيا أضافت طبقة أعمق من ذلك، لم يعد الرئيس أو الجنرال فقط أسرع من الكونغرس، قد تصبح المنظومات التي تنتج المعرفة للجنرال أسرع منه هو أيضًا، وهنا دخلنا إلى ما أسميناه سيادة الصندوق الأسود.

الدولة الحديثة لم تكن قوية فقط لأنها احتكرت العنف المشروع داخل حدودها؛ كانت قوية أيضًا لأنها امتلكت قدرة متفوقة على جمع المعلومات وتحليلها وتحويلها إلى سياسة، لكن هذه الوظيفة بدأت تتغير، الأقمار التجارية، وشركات البيانات، والحوسبة السحابية، ونماذج الذكاء الاصطناعي، وأنظمة تحليل الصور والاتصالات أصبحت أجزاءً من البنية التي ترى الدولة من خلالها العالم، وهذا لا يعني أن الشركات استولت على السيادة، ولكن معناه أن السيادة لم تعد مسألة قرار نهائي فقط، هناك مرحلة تسبق القرار: من ينتج الصورة التي يرى من خلالها صانع القرار الواقع؟ وهذه مسألة سياسية شديدة الحساسية، فالخوارزمية لا تقول للرئيس عادة: اذهب إلى الحرب، لكنها قد تؤثر في ترتيب التهديدات، وفي ما يظهر عاجلًا، وفي ما يبدو مرجحًا، وفي أي هدف يرتفع إلى قمة قائمة الانتباه، وهكذا لا تحل الآلة محل السيادة؛ قد تعيد تشكيل مجال الخيارات الذي تتحرك السيادة داخله، وهنا يصبح امتلاك قرار نهائي أقل أهمية مما يبدو إذا كان صاحب القرار غير قادر على إعادة بناء الطريق المعرفي الذي أوصله إلى ذلك القرار. الديمقراطية تحتاج إلى أكثر من زر أخير يضغطه إنسان، تحتاج إلى قابلية السؤال: لماذا؟ على أي أساس؟ ما البديل؟ ما درجة الثقة؟ من راجع التقدير؟ وما الذي كان يمكن أن يجعلنا نصل إلى نتيجة مختلفة؟ إذا لم تعد الدولة قادرة على الإجابة عن هذه الأسئلة بوضوح، فإن المشكلة لا تعود تقنية فقط، تصبح مشكلة في قابلية السلطة للمساءلة.

الحرب باعتبارها نظامًا لا حدثًا ثم اكتشفنا أن قرار الحرب لا يعيش داخل غرفة العمليات وحدها، كل حرب حديثة توقظ شبكة، مصانع، عقود، برامج، موردين، وظائف، جامعات، مختبرات، منصات تقنية، مراكز تحليل، وجماعات مصالح، وهنا يتغير السؤال مرة أخرى، الحرب لم تعد فقط قرارًا تستخدم فيه الدولة صناعة موجودة، قد تصبح الصناعة نفسها جزءًا من البيئة السياسية التي تجعل بعض القرارات أكثر سهولة وبعضها أكثر صعوبة، وهذه هي الفكرة التي ينبغي التعامل معها بحذر، لأنها كثيرًا ما تُختزل في نظرية مؤامرة عن شركات تريد الحروب، الأمر أعمق من ذلك وأقل بساطة، ليس مطلوبًا أن يريد كل طرف الحرب حتى ينتج النظام ميلًا نحو استمرار الإنفاق، يكفي أن يكون لكل طرف سبب عقلاني خاص: العامل يريد الوظيفة، والشركة تريد العقد، والجيش يريد الجاهزية، والنائب يريد حماية اقتصاد دائرته، والباحث يريد تمويل البرنامج، والحكومة تريد قاعدة صناعية تستطيع الاعتماد عليها في الأزمة، قد تكون كل هذه الدوافع مشروعة منفردة، لكن مجموعها يمكن أن ينتج ما لا يقصده أي طرف وحده: نظامًا يصبح فيه تخفيض الالتزام العسكري أصعب من توسيعه.

وهذا أحد أهم الدروس التي ينبغي أن نأخذها من مفهوم المجمع العسكري الصناعي، الخطر لا يكمن فقط في الفساد، الخطر أيضًا في أن تصبح بنية كاملة ذات قدرة على الاستمرار الذاتي، وهذا يفسر لماذا لا يكفي تغيير الرئيس دائمًا لتغيير الاستراتيجية، فالرئيس يدخل إلى مؤسسة لديها ميزانيات، عقود، تحالفات، انتشار عسكري، التزامات، ثقافة تنظيمية، وخيارات جاهزة، هو لا يبدأ من صفحة بيضاء، والدولة لديها ذاكرة مادية، وهذه الذاكرة تؤثر في ما تستطيع السياسة أن تتخيله.

إذا كانت الحرب مرتبطة بهذه الشبكة الداخلية، فهل يكفي أن يعارضها الجمهور؟ ليس بالضرورة، الرأي العام قوة، لكنه ليس مؤسسة تنفيذية، يمكن لملايين الأشخاص أن يريدوا شيئًا، بينما تكون آلاف قليلة من الجهات أكثر قدرة على تحويل رغباتها إلى لغة مشاريع القوانين، والتمويل، واجتماعات اللجان، والحملات الانتخابية، وهنا ظهر ما أسميناه عدم تماثل التنظيم السياسي، وليس معناه أن الأقلية المنظمة تسيطر دائمًا، بل أن الديمقراطية لا تزن المواقف بالعدد وحده، التنظيم يضيف وزنًا، والاستمرارية تضيف وزنًا، والخبرة تضيف وزنًا، والمال يضيف وزنًا، والقدرة على جعل قضية ما مؤثرة انتخابيًا تضيف وزنًا، ولهذا فإن السؤال الديمقراطي الحقيقي ليس: هل يستطيع المواطن أن يتكلم؟ بل: هل يستطيع صوته أن يعبر الطريق الطويل بين التعبير والقرار قبل أن يصبح القرار حقيقة يصعب الرجوع عنها؟

وهنا نعود إلى الزمن مرة أخرى، الرئيس يستطيع أن يأمر خلال ساعات، الآلة العسكرية تستطيع أن تنفذ، أما المواطن فقد يحتاج إلى شهور حتى يرى النتيجة، ويفهمها، وينظم موقفه، ثم ينتظر الانتخابات، وهكذا تملك الديمقراطية قدرة قوية على المعاقبة اللاحقة، لكنها أضعف أحيانًا في الوقاية السابقة، وهذا هو السبب الذي يجعل المؤسسات الوسيطة  الكونغرس، القضاء، الإعلام، الرقابة، الخدمة المدنية، المعارضة  ضرورية، هي ليست تشويشًا على الديمقراطية، هي الوسائل التي تمنع الديمقراطية من أن تصبح نظامًا لا يستطيع التصحيح إلا بعد وقوع الضرر.

لكن حتى المؤسسات لا تكفي إذا لم تستطع أن تتعلم، وهنا وصلنا إلى الدرس الذي قدمته أزمة الصواريخ الكوبية بصورة شديدة الوضوح، القوة لا تحتاج فقط إلى مؤسسات تمنع الخطأ، تحتاج أيضًا إلى مؤسسات تستطيع أن تقول بعد وقوع الخطأ: لقد أخطأنا، هذه الجملة البسيطة من أصعب الجمل في السياسة لأن القرار، بعد أن يصبح علنيًا، يلتصق بالهيبة، والهيبة تلتصق بالهوية، والهوية تجعل التراجع يبدو تنازلًا عن الذات، وهنا يمكن لدولة قوية جدًا أن تصبح أسيرة قرارها السابق. كل خسارة جديدة تصبح مبررًا لخسارة أخرى، لأن الاعتراف بعدم جدوى الاستراتيجية يبدو كأنه يجعل التضحيات السابقة بلا معنى، وهذه هي مغالطة التكلفة الغارقة في أبشع صورها السياسية، ولكن الدم الذي أُريق بالأمس لا يقدم حجة لإراقة دم إضافي غدًا، والمال الذي أُهدر لا يصبح استثمارًا ناجحًا لأننا نهدر بعده مالًا أكثر، القرار العقلاني يبدأ دائمًا من السؤال: هل الكلفة التالية تقربنا من الغاية؟ لا: كم دفعنا حتى الآن؟ وهنا يظهر الفارق بين الدولة التي تدافع عن استراتيجيتها والدولة التي تدافع عن غرورها، الأولى تستطيع أن تغير الوسيلة، والثانية تحتاج إلى واقع يثبت أنها كانت محقة، وهذا مستحيل أحيانًا مهما بلغت القوة.

لهذا كان كينيدي مهمًا، ولكن ليس بصفته قديسًا للسلام قيمته في هذا المقال تكمن في شيء أكثر واقعية أنه اختبر الفشل، ثم اختبر حافة حرب نووية، وبدأ بعد ذلك يفكر بطريقة مختلفة عن التفكير الذي دخل به إلى الرئاسة.

ليس المطلوب أن نحول التاريخ إلى أسطورة، إدارة كينيدي بقيت جزءًا من حرب باردة شديدة العنف، واستمرت تناقضات السياسة الأمريكية، ولكن التحول بعد 1962 يكشف شيئًا مهمًا: القوة العظمى تستطيع أن تتعلم، ولا يحدث التعلم حين تصبح أضعف، قد يحدث حين تصبح أكثر إدراكًا لحدود ما تستطيع القوة نفسها أن تحققه، وهنا تغير معنى الواقعية، الواقعية السطحية تقول: أظهر القوة كي يخافك الخصم، أما الواقعية الناضجة فتضيف:

أفهم الخوف الذي تخلقه قوتك داخل عقل الخصم، لأن ذلك الخوف نفسه قد يدفعه إلى سلوك لا تريده.

وهنا تصبح معرفة حدود القوة جزءًا من القوة.

الأمم المتحدة: ليست حكومة العالم، لكنها ليست بلا قيمة، ومن هنا وصلنا إلى الرافعة، المؤسسات الدولية لا تمنع الحروب لأنها لا تملك غالبًا الوسائل التي تملكها الدول الكبرى، ولكن هذا ليس الاختبار الوحيد لقيمتها، وأحيانًا تكون قيمة المؤسسة في شيء أقل دراماتيكية وأكثر استراتيجية: أن تمنح الطرفين مكانًا يستطيعان فيه تغيير المسار من دون الاعتراف بالهزيمة، أن تنتج لغة مشتركة، أن توفر مراقبة، أن تصنع اتفاقًا جزئيًا، أن تجعل الخطوة المتبادلة أقل كلفة سياسيًا من التراجع الأحادي، وهذا يقود إلى واحدة من أهم النتائج في المقال:

الشرعية ليست زينة تضاف إلى القوة بعد النجاح؛ قد تكون جزءًا من قدرة القوة على إنتاج نتيجة قابلة للاستمرار.

القوة تستطيع أن تفرض واقعًا، لكن الواقع المفروض يحتاج مراقبة مستمرة، أما الواقع الذي تدخل فيه الأطراف بدرجات مختلفة من القبول، فيحتاج إلى قدر أقل من القوة للحفاظ عليه، وهذه مسألة في الاقتصاد السياسي للقوة بقدر ما هي مسألة أخلاقية، كل نظام قائم فقط على الإكراه يحتاج إلى مزيد من الإكراه كي يبقى.

أما الشرعية فتخفض كلفة الحفاظ على النظام، ولهذا كانت الإمبراطوريات والدول القوية تاريخيًا تحتاج دائمًا إلى أكثر من الجيش: قانون، سردية، تحالفات، نخب محلية، مؤسسات، قبول جزئي. القوة الصلبة تستطيع فتح المجال، ولكنها نادرًا ما تستطيع بمفردها ملأه بنظام مستقر.

هنا نستطيع الآن إعادة صياغة السؤال الأمريكي كله، المسألة ليست إن كانت الولايات المتحدة قادرة على تدمير أهداف كثيرة، هذا أمر لا يحتاج إلى إثبات، وليس السؤال هل تستطيع ممارسة ضغط اقتصادي أو عسكري هائل.

السؤال الأكثر استراتيجية هو: هل ما زالت مؤسساتها قادرة على تحويل هذه القدرة إلى غاية سياسية محدودة ومفهومة وقابلة للإنهاء؟

هذه هي المسألة الحقيقية. الدولة التي تستطيع بدء عشر عمليات في وقت واحد ليست بالضرورة أكثر استراتيجية من الدولة التي تعرف أي عملية لا تبدأها، والجيش الذي يستطيع ضرب ألف هدف لا يستطيع أن يعوض غياب قرار سياسي يحدد أي نوع من النظام يريد أن ينتج بعد الضربة الألف.

والذكاء الاصطناعي الذي يقلص دورة الاستهداف من ساعات إلى دقائق لا يستطيع أن يخبر الدولة ما إذا كان اختصار الزمن العسكري يطيل الحرب السياسية.

والكونغرس الذي يملك سلطة المال على الورق لا يؤدي دوره إذا أصبح غير مستعد لتحمل الكلفة السياسية لاستخدامها.

والجمهور الذي يملك الصوت الانتخابي لا يستطيع حماية الجمهورية وحده إذا وصلت المعلومة إليه بعد أن أصبح التصعيد واقعًا.

والأمم المتحدة لا تستطيع إنقاذ النظام الدولي إذا استُخدمت فقط بوصفها منبرًا لإعلان المواقف بدل أن تكون أداة لبناء المخارج.

كل هذه ليست أزمات مستقلة، إنها وجوه لمشكلة واحدة:

القدرة على الفعل توسعت أسرع من القدرة المؤسسية على تقييم الفعل وتقييده وعكسه.

القوة التي لا تستطيع أن تتوقف ربما يكون من المفيد هنا أن نعكس سؤالًا شائعًا، عادة نسأل: متى تصبح الدولة ضعيفة؟ حين لا تستطيع الدفاع عن نفسها؟ حين تخسر تفوقها العسكري؟ حين تتراجع حصتها من الاقتصاد العالمي؟                 كل هذه مؤشرات مهمة، لكن هناك نوعًا آخر من الضعف، أقل ظهورًا.

الدولة قد تمتلك أضخم ترسانة وأقوى اقتصاد وأوسع شبكة تحالفات، ومع ذلك تدخل في شكل من أشكال الضعف إذا أصبحت غير قادرة سياسيًا على التوقف عن سياسة ثبت أن مردودها أقل من كلفتها، وهذا يمكن تسميته: عجز الانسحاب الاستراتيجي Strategic Exit Deficit، أي الفجوة بين قدرة الدولة على الدخول في التزام وقدرتها على الخروج منه، وهذه ليست دعوة إلى الانسحاب الدائم، أحيانًا يكون الاستمرار ضرورة، وأحيانًا يصبح التراجع أخطر من الثبات.

لكن الدولة التي لا تملك خيار الخروج لا تملك استراتيجية كاملة، لأن الاستراتيجية الحقيقية تحتاج دائمًا إلى تصور للنهاية، متى نكون قد حققنا ما يكفي؟ متى تتغير الأداة؟ متى يتحول الضغط إلى تفاوض؟ وما الحد الذي تصبح بعده الكلفة أكبر من الغاية؟

إذا لم توجد إجابات، فإن الحرب لا تعود أداة في يد السياسة، تبدأ السياسة نفسها في خدمة استمرار الحرب، وهنا يحدث الانقلاب الذي ينبغي أن تخشاه كل قوة عظمى.

هناك فرق بين دولة يصعب ردعها ودولة يصعب إيقافها، الأولى قد تكون قوية، والثانية قد تكون خطرة على نفسها، وهذا الفرق مهم، فالردع يتطلب أن يعرف الخصم أنك تستطيع الرد، أما الحكمة فتتطلب أن تعرف أنت متى لا تحتاج إلى الرد مرة أخرى، ولا تستطيع الخوارزمية أن تحدد هذه اللحظة وحدها، ولا يستطيع الجنرال وحده، لأنها ليست لحظة عسكرية، إنها لحظة سياسية، وهي السبب الذي يجعل القيادة المدنية والمؤسسات المنتخبة ضرورية حتى في أكثر الجيوش تطورًا تقنيًا، قد يخبرك الجيش أنك تستطيع تحقيق تفوق جوي كامل، ولكن لا يستطيع هذا وحده أن يجيب: ثم ماذا؟ قد تخبرك الاستخبارات أن خصمك خسر نسبة كبيرة من قدرته، لكن لا تستطيع أن تقول وحدها: ما هي الدولة التي ستظهر بعد ذلك؟ وقد يخبرك الاقتصادي أن الخصم يتعرض لضغط هائل، لكن لا يستطيع الرقم وحده أن يخبرك: هل الضغط سيدفعه إلى التنازل أم إلى إعادة تنظيم اقتصاده وسياساته حول المقاومة؟ هذه هي حدود المعرفة التخصصية، والاستراتيجية تبدأ عند النقطة التي يجب فيها جمع أنواع مختلفة من المعرفة داخل حكم سياسي واحد.

من هنا يصبح ضبط النفس قدرة استراتيجية، في اللغة السياسية، كثيرًا ما يُفهم ضبط النفس خطأ على أنه غياب الإرادة، لكن التاريخ العسكري يقدم صورة أكثر تعقيدًا، القائد الذي يستهلك كل احتياطيه في أول معركة ليس أكثر شجاعة من القائد الذي يحتفظ بجزء منه للمجهول، والدولة التي تستخدم كل أداة متاحة لها ليست أكثر قوة من الدولة التي تفهم أن بعض الأدوات يجب أن تبقى غير مستخدمة حتى تحافظ على قيمتها. الردع نفسه قائم جزئيًا على القوة التي لم تُستخدم بعد، وهكذا يصبح الامتناع أحيانًا جزءًا من القوة، وهذا يقود إلى مفهوم أوسع يمكن تسميته: القوة المنضبطة Disciplined Power وهي ليست قوة مسالمة بالضرورة، إنها قوة تستطيع استخدام العنف حين ترى ضرورة واضحة لذلك، لكنها ترفض تحويل امتلاك القدرة إلى سبب كافٍ لاستخدامها. الفرق بسيط في العبارة، هائل في النتيجة، فالدولة غير المنضبطة تسأل: هل نستطيع؟ والدولة الاستراتيجية تضيف: لماذا؟ إلى أي نهاية؟ وبأي كلفة؟ وماذا إذا نجحنا عسكريًا وفشلنا سياسيًا؟

وربما هنا يكمن درس الجمهورية الأمريكية نفسه، التجربة الأمريكية لم تبدأ بمحاولة بناء حكومة بلا قوة، كانت التجربة تدور حول شيء أصعب: كيف نبني دولة قوية من دون أن نجعل القوة غير قابلة للتقييد؟ هذا هو معنى الفصل بين السلطات في جوهره، ليس منع الحكومة من الحكم، بل منع القدرة من أن تتحول إلى ملكية، ولهذا فإن الأزمة الحقيقية لا تبدأ عندما تختفي المؤسسات رسميًا، قد تبدأ قبل ذلك بكثير، حين يبقى الكونغرس موجودًا لكنه لا يستخدم أدواته، وتبقى المحاكم موجودة لكن القرارات الكبرى تنتقل إلى مساحات يصعب عليها الوصول إليها في الوقت المناسب، ويبقى المواطن يصوت، لكن القرار العسكري يتحرك في زمن أسرع من دورة المحاسبة، وتبقى القيادة المدنية قائمة، لكن البيئة المعرفية التي تعتمد عليها تصبح أكثر اعتمادًا على نماذج لا تستطيع شرحها بالكامل.

وتبقى الأسواق حرة، لكن الدولة تصبح مرتبطة بشبكة صناعية يصعب عليها أحيانًا تغيير اتجاهها دون كلفة سياسية كبيرة، حينها لا ينهار الدستور، بل يحدث شيء أدق: تتسع المسافة بين الشكل الدستوري والقدرة الفعلية على ممارسة وظائفه، وهذه المسافة هي التي ينبغي مراقبتها.

وربما هنا يكون الاختبار الحقيقي لأمريكا في عامها الـ 250 ، ليس إن كانت تستطيع أن تثبت مرة أخرى أنها الدولة العسكرية الأقوى، وهذا لا يحتاج إلى احتفال.

الاختبار الأصعب هو ما إذا كان النظام الذي وُلد من الخوف من سلطة الملك لا يزال قادرًا، بعد قرنين ونصف، على فعل الشيء الذي صُمم من أجله: إجبار القوة على تقديم تفسير لنفسها.

لماذا الحرب؟

من أجازها؟

ما هدفها؟

ما حدودها؟

من يراجع المعلومات التي بدأت منها؟

ما دور الشركات التي بنت الأدوات التي أنتجت تلك المعلومات؟

من يدفع الكلفة؟

ومتى يصبح التوقف أكثر حكمة من الاستمرار؟

هذه الأسئلة هي جوهر الجمهورية أكثر من أي شعار عن الحرية، فالحرية السياسية ليست فقط أن يستطيع المواطن انتقاد الحرب. الحرية الأعمق أن تكون هناك مؤسسات تستطيع منع الحرب من أن تصبح مستقلة عن الإرادة السياسية التي يفترض أنها تخدمها.

من ماديسون إلى الخوارزمية، وهنا تكتمل الدائرة التي بدأنا بها.

ماديسون لم يعرف الذكاء الاصطناعي، لكن ربما كان سيفهم المشكلة فورًا، فالأساس الذي انطلق منه لم يكن تقنيًا، كان متعلقًا بالطبيعة البشرية والمؤسسات: السلطة تميل إلى توسيع مجالها، لذلك يجب ألا تعتمد الجمهورية على فضيلة الحاكم وحدها، يجب أن تضع السلطة أمام سلطة أخرى، لكن عصرنا يضيف سؤالًا لم يكن موجودًا عنده: ماذا لو لم تعد السلطة متمركزة في شخص أو مؤسسة واحدة؟ ماذا لو أصبحت موزعة بين: الرئيس، الجيش، الاستخبارات، الخوارزميات، الشركات، المتعهدين، الكونغرس، جماعات المصالح، والبنية الرقمية التي تربطهم؟ هنا يصبح الفصل الكلاسيكي بين السلطات غير كافٍ وحده لفهم الواقع.

نحتاج أيضًا إلى التفكير في: فصل المعرفة، شفافية الخوارزميات، حدود الاعتماد على القطاع الخاص، قابلية الأنظمة للمراجعة، آليات إبطاء القرار عندما لا يكون التأخير نفسه خطرًا، ومسارات مساءلة تستطيع تتبع المسؤولية عبر الشبكة بدل أن تضيع بينها، أي أننا ربما ندخل مرحلة تحتاج فيها الجمهورية إلى تطوير مفهومها عن الرقابة كما طورت مفهومها عن القوة.

الحرب الحديثة أصبحت أسرع، لكن الإنسان لم يصبح أكثر حكمة بالسرعة نفسها، وهذه الفجوة قد تكون واحدة من أخطر فجوات عصرنا. لدينا معلومات أكثر مما عرفته أي دولة سابقة، وقدرة على المراقبة أكبر، وأسلحة أدق، وحواسيب أسرع، ونماذج تستطيع تحليل كميات من البيانات لم يكن يستطيع جهاز استخبارات كامل تحليلها قبل جيل واحد، ولكن لا شيء من ذلك يجيب عن السؤال الذي بقي ثابتًا منذ أثينا وروما، ومن الملوك الأوروبيين إلى الجمهورية الأمريكية:

متى تتحول القوة من وسيلة لحماية الدولة إلى وسيلة تجعل الدولة أسيرة لقدرتها على استخدامها؟

الإجابة لا توجد في السلاح، ولا في الخوارزمية، ولا حتى في الدستور إذا بقي نصًا بلا إرادة مؤسسية، توجد في قدرة النظام على إنتاج شيء أكثر ندرة من القوة: الحكم السياسي الرشيد تحت الضغط.

وهذا يعني أن تستطيع القيادة أن تضرب حين تكون الضربة ضرورية، وأن تتفاوض حين يصبح التفاوض أكثر فائدة، وأن تتراجع حين يصبح الاستمرار أسوأ، وأن تعترف بالخطأ حين تتغير الأدلة، وأن تسمح لمؤسساتها بأن تقول لها لا قبل أن تصبح كلمة لا بلا معنى.

ربما تكون هذه هي المفارقة الكبرى للقوة في القرن الحادي والعشرين:

كلما ازدادت قدرة الدولة على الفعل، أصبحت قدرتها على الامتناع عن الفعل أكثر أهمية.

ومن هنا يمكن إعادة تعريف القوة العظمى بطريقة مختلفة، ليست الدولة العظمى فقط تلك التي تستطيع الوصول إلى أي هدف في العالم، بل تلك التي تستطيع، وسط الخوف والغضب والضغط السياسي والتفوق العسكري، أن تسأل نفسها قبل الضغط على الزر: هل ما نستطيع فعله هو حقًا ما ينبغي أن نفعله؟

وإذا كانت الإجابة لا، فهل ما زالت مؤسساتها قوية بما يكفي لكي تجعل تلك الـ لا قرارًا حقيقيًا؟

هذه، أكثر من أي صاروخ أو حاملات طائرات أو خوارزمية، قد تكون الاختبار الأخير للجمهورية.